جريدة الرياض | بداية موسم غيوم الليل المضيئة 2026
يرصد كل عام مع اقتراب حلول فصل الصيف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، مشهد غريب وجميل فوق المناطق القطبية حيث تتشكل بلورات الجليد الدقيقة وتلتصق بجزيئات غبار الشهب فينتج عن ذلك غيوم زرقاء كهربائية متموجة تظهر في السماء بعد غروب الشمس.
تعرف هذه الظاهرة باسم غيوم الليل المضيئة وهي ترصد عادة في خطوط العرض العليا، ويكون أول ظهور موسمي لها غالبًا في أواخر شهر مايو أو مطلع يونيو.
وأوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة المهندس ماجد أبو زاهرة أن غيوم الليل المضيئة تعد حزمًا جليدية زرقاء متوهجة تطفو عند حافة الفضاء ولفترة طويلة لم تكن آلية تشكل هذه الغيوم مفهومة بشكل كامل، إلا أن البيانات العلمية تشير إلى أنها تتكون عندما تصبح طبقات الغلاف الجوي العليا باردة بما يكفي لتتشكل بلورات الجليد حول جسيمات دقيقة ناتجة عن احتراق الشهب، حيث اكتشف أن أجزاءً من غبار الشهب تدخل ضمن مكونات هذه الغيوم ويقدر أن نحو 3% من كل بلورة جليدية مصدرها دخان الشهب, ويعتقد أن بلورات الجليد تتشكل حول جزيئات غبار الشهب بأحجام تتراوح بين 20 و70 نانومترًا بينما تحتوي السحب الرقيقة في الطبقات الدنيا من الغلاف الجوي على بلورات جليدية أكبر بنحو 10 إلى 100 مرة بسبب وفرة بخار الماء هناك.
وأشار إلى أن الجزء الداخلي من النظام الشمسي مليء بالأجسام الصغيرة بمختلف الأحجام من الصخور الصغيرة إلى الجسيمات الغبارية المجهرية، وفي كل يوم تجرف الأرض عدة أطنان من هذه المواد وعندما تدخل النيازك الغلاف الجوي وتحترق فإنها تترك وراءها دخانًا رقيقًا من الجسيمات الدقيقة العالقة على ارتفاع يتراوح بين 60 و100 كيلومتر فوق سطح الأرض.
وقال : “لقد رصدت هذه الغيوم منذ القرن التاسع عشر في المناطق القطبية الشمالية، إلا أنها خلال العقود الأخيرة أصبحت تظهر في مناطق أبعد نحو الجنوب، ويعتقد أن ازدياد مشاهدتها قد يرتبط بالتغير المناخي وارتفاع مستويات غاز الميثان، وهو أحد الغازات الدفيئة المهمة في الغلاف الجوي، حيث أسهمت مصادره المختلفة منذ الثورة الصناعية في تعزيز الظروف المناسبة لتشكل غيوم الليل المضيئة.
وأضاف أبو زاهرة أن الميثان يعتقد أنه عندما يصل إلى طبقات الغلاف الجوي العليا يتأكسد عبر سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية لينتج بخار الماء، ويوفر هذا البخار الإضافي الظروف المناسبة لتشكل بلورات الجليد الخاصة بهذه الغيوم الزرقاء المتوهجة، وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة فإن دراسة غيوم الليل المضيئة قد تكشف معلومات مهمة حول التغيرات التي تحدث في الغلاف الجوي للأرض, أما لونها الأزرق فيعود إلى صغر حجم بلورات الجليد إذ تقوم الجسيمات الصغيرة ببعثرة الأطوال الموجية القصيرة للضوء الأزرق بكفاءة أكبر من الأطوال الموجية الطويلة للضوء الأحمر، ولذلك يبدو الضوء المتبعثر من هذه الغيوم مائلًا إلى الأزرق عند رؤيته من سطح الأرض.
وأشار إلى أن الدراسات أظهرت أن غيوم الليل المضيئة قد تصبح أكثر كثافة أحيانًا خلال فترات الحد الأدنى من نشاط الدورة الشمسية، إذ تؤدي الظروف الباردة نسبيًا في أعلى الغلاف الجوي إلى تعزيز تشكل بلورات الجليد حول دخان الشهب, ومع ذلك فقد سجلت خلال العقود الأخيرة مشاهدات متفرقة لهذه الغيوم في خطوط عرض أقل من المعتاد خاصة في بعض مناطق جنوب أوروبا وحوض البحر المتوسط، ويعتقد أن التغيرات المناخية وازدياد بخار الماء في طبقات الغلاف الجوي العليا قد يسهمان في توسع نطاق ظهورها نحو مناطق أبعد عن القطبين، أما في المملكة العربية السعودية فإن احتمال رصدها يبقى ضعيفًا للغاية وأي سحب مضيئة تظهر ليلًا تكون غالبًا سحبًا مرتفعة مضاءة بعد الغروب أو ظواهر جوية أخرى وليست غيوم الليل المضيئة الحقيقية.
وعلى الرغم من جمال غيوم الليل المضيئة، بين أبو زاهرة أن مشاهدتها تقتصر غالبًا على المناطق الواقعة في خطوط العرض العليا قرب القطبين حيث تظهر عادة بين دائرتي عرض 50 و65 درجة شمالًا وجنوبًا ولذلك فإن رؤيتها في المملكة ومعظم دول العالم العربي تعد نادرة جدًا بسبب الموقع الجغرافي البعيد عن المناطق القطبية.
وأضاف “رغم تعدد الفرضيات العلمية فإن غيوم الليل المضيئة لا تزال تحمل كثيرًا من الغموض إلا أن هناك حقيقة واضحة وهي أن دخان الشهب القادم من الفضاء يؤدي دورًا أساسيًا في نشوء هذه الغيوم بينما يبقى السبب الدقيق وراء ازدياد سطوعها وانتشارها محل دراسة وبحث علمي مستمر.




