علماء الفلك: أسرار مقر “جيمس بوند” القابع تحت واحدة من أروع السماوات في العالم

قاتل جيمس بوند، الذي أدى دوره دانيال كريغ، شخصية شريرة خطيرة في هذا المكان. لكن في الواقع، يُعد مبنى “ريسيدينثيا” المستقبلي في تشيلي موطناً لعلماء الفلك.

من السهل ألّا تنتبه إلى المبنى المعروف باسم “ريسيدينثيا” في تشيلي، إذ صُمم ليمتزج مع صحراء أتاكاما، ومدخله يقع خلف باب ثقيل غير مميز عند أسفل منحدر ضحل. وفي معظم الوقت، كل ما تراه حولك هو سهول صخرية عارية وجبال، وفوقها أحياناً طائر جارح يحلق في الهواء الجاف.

Richard Fisher

المدخل المخفي إلى ريزيدنسيا

لكن ما إن تدخل “ريسيدينثيا” حتى تجد نفسك في واحة خضراء. أول ما تشعر به هو الهواء الرطب على بشرتك، القادم من الأشجار والنباتات الاستوائية التي تنمو في تربة الفناء المركزي. وتحت قبة ضخمة، يظهر مسبح أزرق لامع.

Richard Fisher

الفناء المركزي في ريزيدنسيا

Richard Fisher

صُمم “ريسيدينثيا” ليمتزج مع الصحراء

وإذا بدا المكان كأنه وكر لشرير من أفلام بوند، فلأنه كان كذلك فعلاً. ففي عام 2008، صوّر فريق سينمائي هنا المشهد الختامي من فيلم بوند Quantum of Solace، مستخدماً الممرات والشرفات والواجهة الخارجية خلفية للتصوير. وتنبيه حرق للأحداث: يصل بوند، الذي أداه دانيال كريغ، وتقع انفجارات كثيرة.

Richard Fisher

ممرات في “ريسيدينثيا”

لكن “ريسيدينثيا” في بقية الوقت ليس مكاناً لنجوم السينما، بل لمراقبي النجوم. فهو بمثابة فندق، لكنه غير متاح للحجز من قبل العامة، إذ إن أكثر من 100 غرفه مخصصة لعلماء فلك ومهندسين يعملون في مرافق رصد النجوم القريبة، مثل التلسكوب الكبير جداً (VLT) الموجود على قمة “سيرو بارانال” على بُعد بضعة كيلومترات.

اقرأ أيضاً
أوبو تطور Find N7 بشاشة عريضة وتقنيات طي متقدمة

أوبو تطور Find N7 بشاشة عريضة وتقنيات طي متقدمة

والمبنى المملوك والمدار من قبل المرصد الأوروبي الجنوبي (ESO)، صُمم بحيث يتيح إجراء الأبحاث في أحد أكثر الأماكن قسوة على وجه الأرض. وزارت بي بي سي الموقع لبضعة أيام، واكتشفت كيف تبدو الحياة والعمل بالنسبة إلى العلماء داخل هذه الواحة الصحراوية الخفية.

Richard Fisher

غرف وممرات “ريسيدينثيا” تطل مباشرة على أرض صحراوية

يقع مبنى “ريسيدينثيا” وسط ظروف قاسية في صحراء أتاكاما – على بُعد ساعتين بالسيارة من أقرب مدينة وهي أنتوفاغاستا – ومع ذلك فهو تحفة معمارية، ففي عام 2009، وصفته صحيفة الغارديان بأنه أحد “أفضل 10 مبانٍ في العقد”.

والشيء المميز حقاً هنا هو أنه صُمم مع وضع علم الفلك في الحسبان منذ البداية. فبالإضافة إلى توفير بيئة مريحة ورطبة للتخفيف من قسوة الصحراء، فإن إحدى سماته الرئيسية هي كيفية إبقاء محيطه مظلماً.

وقد تتأثر التلسكوبات الأرضية في مرصد بارانال حتى بأقل قدر من الضوء، لذلك وضعت إجراءات عدة لتقليل التلوث الضوئي. وفي الليل، عليك أن تنتبه أثناء المشي في الخارج، لأن السيارات يجب أن تطفئ مصابيحها الأمامية أثناء القيادة، ولا توجد مصادر إضاءة خارجية أخرى، ما عدا المصباح اليدوي الذي تحمله، وهناك تعليمات صارمة بتوجيه الضوء نحو الأرض فقط.

وللحفاظ على الظلام داخل المبنى أيضاً، تحتوي الغرف الفردية المخصصة للنوم على نوافذ قليلة، وأي زجاج آخر يُغطى بستائر صلبة ليلاً. أما القبة شبه شفافة فوق الفناء، التي تسمح بدخول الضوء للنباتات نهاراً، فلها غطاء يُسحب كل مساء.

Richard Fisher

الفناء المركزي في “ريسيدينثيا”

Richard Fisher

ملصق يشجع الناس على إبقاء التلوث الضوئي عند الحد الأدنى…

P Horálek/ ESO

… بحيث تظل النجوم مرئية للتلسكوبات في الليل

شاهد أيضاً
Resident Evil Veronica تتصدر اهتمام اللاعبين في عرض Summer Game Fest – تروجيمنج

Resident Evil Veronica تتصدر اهتمام اللاعبين في عرض Summer Game Fest – تروجيمنج

ورغم موقعه الصحراوي، فإن الحياة في “ريسيدينثيا” مريحة على نحو مفاجئ: فالمقيمون لديهم طعام وفير ومساحات للاسترخاء خارج أوقات العمل، لكن شيئاً واحداً غير موجود، وهو الكحول الذي حُظر بسبب الارتفاع وخطر الجفاف.

فالمبنى يقع على ارتفاع يزيد عن 2,000 متر (7,900 قدم) فوق سطح البحر مع انعدام الرطوبة في الهواء الخارجي تقريباً، لذلك تُحذّر إحاطات السلامة قبل الزيارة من خطر الشعور بالخمول والغثيان.

ولهذه الأسباب، إضافة إلى الأشعة فوق البنفسجية الشديدة، يُنصح بممارسة الأنشطة الرياضية في الخارج بحذر: إنه ليس المكان المناسب للجري لمسافات طويلة دون إخبار أحد مسبقاً.

والحياة في “ريسيدينثيا” تسير بنمط دوري للغاية. فكما يراقب العلماء حركة النجوم في السماء، يتناوبون أيضاً بين العمل في ورديات الليل والنهار.

وفي الصباح، يتجه علماء الفلك في الوردية النهارية عبر سيارة أو حافلة إلى التلسكوب الكبير جداً (VLT) لإجراء صيانة أو كتابة خوارزميات أو وضع خطط رصد مستقبلية. وفي الأثناء، يتوجه مهندسون في “ريسيدينثيا” إلى التلسكوب الضخم جداً (ELT) وهو منشأة أكبر قيد الإنشاء على جبل “سيرو ارمازونيس” على بُعد قرابة 20 كم (12 ميلاً).

Richard Fisher

داخل التلسكوب الكبير جداً على بعد بضعة كيلومترات من “ريسيدينثيا”

Richard Fisher

علماء فلك تابعون للمرصد الأوروبي الجنوبي يعملون على تلسكوب المسح الفلكي وتلسكوب المسح المرئي وتحت الأحمر لعلم الفلك

وعند الغروب، من المعتاد مشاهدة الشمس وهي تغيب فوق المحيط الهادئ، حيث تتبدل الورديات ويبدأ العمل الليلي. في الظلام، تبدأ التلسكوبات عملها متجهة نحو أعماق السماء.

Richard Fisher

غالباً ما يتوقف علماء الفلك عن العمل لمشاهدة غروب الشمس فوق المحيط الهادئ

ESO/ N Schafer

قد يهمك
علماء يكتشفون سرّ نبتة فينوس صائدة الحشرات

علماء يكتشفون سرّ نبتة فينوس صائدة الحشرات

“ريسيدينثيا” ليلاً

ويا لها من سماء ليلاً، فإذا استيقظت في الساعة الثانية صباحاً وخرجت من الباب الخلفي لغرفتك مباشرة إلى الصحراء، سترى وفرة مذهلة من النجوم. وعلى الجبل، يمكنك رؤية التلسكوب الكبير جداً يطلق شعاعه الليزري نحو الغلاف الجوي لتوجيه رصده للأجسام البعيدة في الكون.

ESO/ N Schafer

شعاع الليزر المنبعث من التلسكوب الكبير جداً الواقع على قمة “سيرو بارانال” القريبة

بفضل صفاء الجو وظلمته الفاصلة بين الأرض والفضاء، وقلّما تجد سماءً ليلاً على الأرض تضاهيها روعة، يُعد هذا المكان من أفضل مواقع الرصد الفلكي على الأرض.

خلال زيارة بي بي سي، كانت سلسلة من 20 قمراً صناعياً أو أكثر تمر بوضوح في السماء، كنقاط صغيرة تتحرك واحدة تلو الأخرى. بل ويمكنك رؤية مجرات أخرى بالعين المجردة، كسحابتي ماجلان اللتين تبدوان كبقع خضراء في الظلام.

وساهم التلسكوب الكبير جداً في العديد من أهم الاكتشافات في القرن الحادي والعشرين، بدءاً من أول صورة لكوكب خارج النظام الشمسي، وصولاً إلى تعزيز الفهم للثقب الأسود الهائل في مركز مجرة درب التبانة.

Eso/ P Horálek

منظر من “ريسيدينثيا” ليلاً

عندما يحين وقت مغادرة “ريسيدينثيا”، تشعر وكأنك تخرج من فقاعة. تتلاشى الرطوبة والنباتات الخضراء، ليعود الهواء الجاف والشمس القاسية. ومع طريق العودة، تعود ضوضاء الحياة اليومية تدريجياً.

لكن بعد أيام قليلة هنا، ينتابك شعور بأن البشرية مجرد لحظة عابرة في الزمان والمكان. فأسفل المبنى، طُويت طبقات من صخور الصحراء عبر الزمن لتشكل سلسلة جبال تمتد على طول قارة، وفوقك قطعت فوتونات ضوء النجوم رحلة عبر الكون كله لتستقر على شبكية عينك.

قلّما تجد فندقاً يمنحك هذا الشعور بالرهبة والصغر في آنٍ واحد.

أما الفرق الحقيقي بين مخبأ شرير في فيلم بوند وملاذ عالم فلك؟ الأول يخطط للسيطرة على العالم… أما الثاني فيُظهر لك كم هو ضئيل ما يمكننا السيطرة عليه في هذا الكون.

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد