رؤى تجديدية يحدد معالمها الموقف من المنجز التراثي.. الثقافة السعودية بين جدلية مفهومي الحداثة والتحديث

ياسر صالح البهيجان
يشكّل التجديد الثقافي محورًا رئيسًا في مسيرة نمو الوعي الإنساني، وركيزة من ركائز تطور المجتمعات في السلم الحضاري. وهو ممارسة لا تخلو من تحديات ناشئة عن الموقف من المنجز التراثي الذي يجعل من النزعة التجديدية إمّا تحديثًا يستلهم التراث، ويؤمن بأن الواقع لا سبيل له إلا أن يمثل امتدادًا للماضي، أو حداثة ترى ضرورة القطيعة مع كل ما هو تراثي انطلاقًا من أن الماضي ليس سوى أغلال تكبل أي حراك تجديدي فاعل. تلك الجدليّة بين الحداثة والتحديث في الثقافة السعودية عُنيت بها دراسة بحثيّة للدكتورة ولاء الخزاعي أستاذة اللغة العربية المساعدة بجامعة أم القرى، وتتبعت جهود رواد الأدب السعودي؛ محمد حسن عواد، ومحمد سرور الصبان، وحمزة شحاتة، وعبدالله عبدالجبار، الذين أسهموا في بناء مشروع نهضوي استند إلى التجديد والمثاقفة الواعية مع الفكر الحديث، لتأسيس وعي أدبي متأصل في الثقافة، ومتفاعل مع الثقافات المعاصرة. وتبرز أهمية البحث في محاولته الجادة لتحديد معالم التحديث في الأدب السعودي، وعلاقته بالمرجعيات المعرفية المتباينة بين المنجز التراثي والتفاعل الثقافي الراهن، ورصد إسهامات الرواد في بناء مشروع تحديثي مواكب للتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المملكة في القرن العشرين، وما مارسوه من إنتاج أدبي يتجاوز حدود الأدب إلى تأدية دور تنويري في مجالات الصحافة والتعليم والإصلاح الاجتماعي. وخلص البحث إلى أن التحديث لدى الروّاد اتخذ شكل مساءلة التراث ونقده نقدًا معرفيًا وتاريخيًا أظهر مدى وعيهم بطبيعة الواقع الحضاري وقصوره وجموده. وبرز في نتاجهم رغبتهم الجامحة في التجديد انطلاقًا من التفاعل مع ثقافة الآخر لصياغة فكر جديد يواكب متطلبات المرحلة النهضوية والحضارية للبلاد. واستند مشروعهم التحديثي إلى التراث بوصفه مرجعية راسخة لبناء المعرفة، دون أن تعيق تلك المرجعة السعي نحو الانفتاح والنقد والمساءلة الواعية التي غايتها الاستيعاب والفهم والتحول دون إحداث قطيعة من التراث الذي يمثل موروث الأمة وعنصرًا من عناصر هويتها الراسخة. وتوزعت جهودهم لتحقيق غايتهم التحديثية بين إصلاح التعليم، وتجديد الشعر، والنهوض باللغة العربية، وتعزيز السياق الثقافي المحلي بمناهج وأفكار معاصرة تستقي من الفكر الغربي ما يلائم البيئة العربية والثقافة السعودية. وجسدوا ذلك بممارسات ثقافية متعددة شملت الكتابة في الصحافة، وتأليف الكتب، والمساجلات الثقافية فيما بينهم، ونقد الثقافة في وسائل الإعلام المختلفة، والعناية بجيل الشباب وتوجيههم نحو الأدب والفن، وإنشاء المجلات الأدبية والثقافية. ورغم تنوع التكوين المعرفي لجيل الروّاد إلا أن مسارهم التحديثي كان متقاربًا ومتداخلاً، وانطلقوا من الهموم الثقافية والاجتماعية المشتركة التي حددت اتجاهاتهم الأدبية والفنية والفكرية. وجمعتهم مرجعية معرفية وثقافية واحدة ترى بأن التحديث وليس الحداثة هو السبيل الأمثل للثقافة السعودية، وأن استعادة الماضي وبنائه في الحاضر ممكنة ما دامت منفتحة على المثاقفة مع الغرب في ضوء رؤية متوازنة بين التراث والتجديد والمعاصرة. وأظهرت جهود الرواد الوعي بالذات الحضارية العربية والإسلامية، وما يحتويه التراث من إمكانات وفرص قابلة للاستثمار في الحاضر شريطة أن يُقرأ قراءة عميقة قادرة على اكتساب ما فيه من قيم ثقافية وفكرية وجماليّة. وفي ضوء هذه المنطلقات حقق المشروع النهضوي المبكر أهدافه في التأسيس لأدب سعودي طرق جميع أصناف الإنتاجات الأدبية والثقافية، وهيئة الفرصة للأجيال اللاحقة كي تنطلق من تلك المرتكزات نحو آفاق جديدة تعزز من مكانة الأدب في المملكة، وتجسّد ما شهدته البلاد من تحولات عنوانها الأبرز النماء والازدهار والتطور والرخاء.

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد