رصد فلكي نادر لزوج من الثقوب السوداء فائقة الكتلة في طريقهما نحو الاندماج الكوني
اكتشف فريق من الباحثين دليلًا مباشرًا لاقتراب ثقب أسود فائق الكتلة من آخر لدرجة كبيرة، وقد تكون هذه أول مرة لرصد زوج من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، فما أهمية ذلك؟
تعد الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مركز المجرات أحد أكثر مجالات الدراسة نشاطًا في علم الفلك، إذ يجب أن تندمج مع بعضها لتكتسب كتلتها الهائلة، ويوفر هذا الحدث فرصة أفضل لفهم العمليات الأساسية لتطور المجرات.
لاحظ الباحثون من من مؤسسة ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في بون بقيادة عالمة الفلك سيلك برتزين دوران اثنين من الثقوب السوداء فائقة الكتلة حول بعضهما في مجرة Markarian 501 أو اختصارًا (Mrk 501).
وتقترح المعطيات وجود ثقب أسود فائق الكتلة على الأرجح في مركز كل مجرة كبيرة، بكتلة تفوق كتلة الشمس بملايين المرات -أو حتى المليارات-. وما يزال موضوع وصولها لهذه الكتلة الفائقة غير واضح ليومنا هذا، فتجميع الغاز من محيطها فحسب سيأخذ وقتًا طويلًا جدًا، ولذلك تصبح عملية اندماجها مع ثقب أسود آخر مرجحة أكثر.
رُصدت اصطدامات المجرات في أنحاء مختلفة من كوننا، ما يسمح لهذه الثقوب حينها بالاندماج مع بعضها في مركز هذه المجرات عند الاصطدام، حيث يدور كل منهما حول مدار الآخر بقرب شديد لتندمج بعدها تدريجيًا مع بعضها.
دليل من الجسيمات الكاشفة
لم تستطع الحسابات النظرية وصف المرحلة الأخيرة بدقة لحد الآن، وما يزيد الأمر تعقيدًا عدم رصد زوج من الثقوب السوداء فائقة الكتلة بهذا القرب من قبل، مع أن تصادم المجرات أمر شائع على المقاييس الزمنية الكونية.
لكن وبحسب نتائج نُشِرت في الملاحظات الشهرية لجمعية الفلك الملكية، غيرت دراسة حديثة لمجرة Mrk 501 في كوكبة هرقل ذلك. إذ لوحظ أن الثقب الأسود في مركز مجرة Mrk 501 يقذف تيارًا قويًا من الجسيمات تسافر بسرعة الضوء تقريبًا في الفضاء.
وقد حلل الباحثون ملاحظات عالية الدقة للمنطقة لدراسة هذه الظاهرة، وغطت هذه الملاحظات موجات ترددية واسعة النطاق جُمعت في أثناء عشرات الأيام على مدى فترة تقارب 23 عامًا.
وكشفت عملية جمع البيانات على المدى الطويل عن وجود تيار ثانٍ من الجسيمات، ما يُعد أول صورة مباشرة لعملية كهذه في مركز المجرة، ومؤشرًا واضحًا لوجود ثقب أسود آخر فائق الكتلة.
تقول برتزين في تقرير: «بعد أن بحثنا عنه لفترة طويلة جدًا، ظهر لنا كمفاجئة، ولم نستطع فقط رؤية تيار ثانٍ من الجسميات، بل أصبح بإمكاننا تتبعه أيضًا».
الثقوب السوداء ترقص قرب بعضها
يتجه التيار الأول نحو كوكب الأرض، وهذا هو سبب اكتشافه المبكر والواضح منذ فترة بعيدة. لكن للتيار الثاني اتجاه مختلف، وهذا سبب صعوبة اكتشافه وتأخره. في فترة لا تتجاوز بضعة أسابيع، لاحظ الفلكيون تغييرات جذرية، إذ بدأ التيار الثاني بالتحرك عكس عقارب الساعة خلف الثقب الأسود الأكبر منه مكررًا نفس الحركة باستمرار.
وتشرح برتزين: «كانت عملية تقييم البيانات تشبه الوجود على سطح سفينة نظامها في حالة حركة بالكامل. ويمكن تفسير ذلك بوجود نظام من ثقبين أسودين؛ ما يؤدي إلى تذبذب المستوى المداري».
وعلى ضوء ما رصد في يونيو عام 2022، وصل الإشعاع المنبعث من النظام بمسار متعرج على شكل حلقة يطلق عليها حلقة أينشتاين، وأكثر تفسير محتمل هو أن هذا النظام كان متجهًا نحونا بدقة، ثم شكّلت عدسة الجاذبية الناتجة عن الثقب الأسود المعروف ضوء التيار الثاني الموجود خلفه.
ويُقصد بعدسة الجاذبية تشويه جسم فائق الكتلة للزمكان، ما يؤدي إلى انحناء الضوء وتشوهه.
استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما في فترة 121 يومًا تقديريًا، وذلك بتحليل التحديثات في البيانات والأنماط المتكررة لسطوع تيار الجسيمات مع الوقت. ويبعد الثقبان الأسودان عن بعضهما من 250 إلى 540 مرة بعد مسافة الأرض عن الشمس، وهي مسافة ضئيلة بين جسمين فائقي الكتلة (من 100 مليون إلى مليار ضعف كتلة الشمس). واعتمادًا على كتلتهما الفعلية، من المقدر لهذه المسافة بينهما أن تنقص بسرعة ما يؤدي إلى اندماجهما الوشيك في فترة قصيرة لا تتجاوز 100 عام.
العد التنازلي للنهاية
نظرًا للمسافة الكبيرة بين مجرة Mrk 501 والأرض، حتى أكثر التقنيات تطورًا لا تستطيع تصوير الثقبين الأسودين بوصفهما جسمان منفصلان، ويشمل ذلك حتى تليسكوب أفق الحدث EHT الذي زوّدنا بأول الصور للثقوب السوداء في عامي 2019 و2022. وسيصبح من الصعب أيضًا الرصد المباشر لمدار الثقبين الذي يستمر بالتقلص في مجرة Mrk 501.
لكن يتوقع العلماء دليلًا واضحًا للمسافة التي تتناقص باستمرار بين الثقبين الأسودين، فمن المفترض أن يقذف النظام موجات من الجاذبية منخفضة الترددات يمكن اكتشافها باستعمال مصفوفات توقيت النجوم النابضة (PTAs).
تُعد الأنظمة الثنائية من الثقوب السوداء فائقة الكتلة (SMBHBs) هي التفسير المرجح لموجات الجاذبية الخلفية المرصودة، إذ وجدنا أدلتها عام 2023 باستخدام مصفوفة توقيت النجوم النابضة الأوروبية. وتعد مجرة Mrk 501 مرشحًا رئيسيًا لربط انبعاث موجات الجاذبية المقاسة باستخدام مصفوفات توقيت النجوم النابضة (PTAs) بثنائي محدد من الثقوب السوداء فائقة الكتلة.
يقول الباحث المشارك هكتور أوليفاريس: «إذا كشفنا موجات جاذبية، قد نرى ترددها يرتفع تدريجيًا بينما يدور العملاقان حول بعضهما باتجاه الاصطدام، ما يوفّر فرصة نادرة لمشاهدة عملية اندماج ثقب أسود هائل في أثناء حدوثها».



