مقرر (الوعي الفكري) متطلب المستقبل الجامعي

د. ريم بنت عبدالرحمن رمزي
في ظل التطورات المتسارعة في منظومة التعليم والتي تشهدها وزارة التعليم والتعليم الجامعي على المستويات الفكرية والثقافية والتقنية، لم يعد الأمن الفكري موضوعاً يطرح على عاتق المؤتمرات والملتقيات العلمية أو مقتصراً على المختصين في وحدات التوعية الفكرية بل أصبح أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة والدول الطامحة إلى التنمية المستدامة، فالأفكار اليوم تعبر الحدود بضغطة زر، وتتنافس التيارات والاتجاهات المختلفة على التأثير في عقول الشباب وتشكيل القناعات والآراء، مما يجعل بناء الوعي الفكري مسؤولية شرعية ووطنية وتربوية مشتركة. ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى اعتماد مقرر جامعي في الأمن الفكري او الوعي الفكري بوصفه متطلباً عاماً يدرسه جميع طلاب الجامعات السعودية على اختلاف تخصصاتهم العلمية والإنسانية والصحية والهندسية والتقنية، والاعلامية، فالتخصص الأكاديمي يمنح الطالب المعرفة المهنية الذي يخدم سوق العمل، أما الأمن الفكري فيمنحه القدرة على التعامل الواعي مع الأفكار، وتمييز الصحيح من السقيم، والنافع من الضار، والموضوعي من المضلل. إن الطالب الجامعي اليوم يعيش في فضاء رقمي مفتوح، ويتعرض يومياً لكمٍ هائل من الرسائل الإعلامية والثقافية والفكرية، بعضها يحمل قيماً إيجابية تسهم في البناء والتنمية، وبعضها الآخر يسعى إلى التشكيك في الثوابت، أو إثارة الانقسامات، أو نشر الأفكار المتطرفة، أو استهداف الهوية الوطنية والثقافية، ومن هنا تأتي أهمية أن يتزود الطالب بأدوات علمية ومنهجية تمكنه من التفكير النقدي المسؤول، والتحليل العلمي الجيد، والقدرة على التحقق من المعلومات والافكار المتداولة. كما أن تدريس مقرر الأمن الفكري أو الوعي الفكري يسهم في تعزيز قيم الوسطية والاعتدال والانتماء الوطني، وترسيخ المسؤولية المجتمعية، ورفع مستوى الوعي بالتهديدات الفكرية المعاصرة، سواء كانت ناتجة عن الغلو والتطرف، أو عن الشائعات، أو عن حملات التضليل الإعلامي، أو عن التيارات الفكرية التي تستهدف استقرار المجتمع وتماسكه. ولكي يحقق هذا المقرر أهدافه المرجوة، ينبغي أن يقدم بأسلوب معرفي وتطبيقي حديث، بعيداً عن الطرح التقليدي المتعارف عليها، وأن يتناول قضايا فكرية معاصرة بلغة علمية رصينة، مع التركيز على تنمية المهارات الفكرية لدى الطالب الجامعي، وتعزيز قدرته على الحوار الواعي والتفكير النقدي الذي يفحص الافكار، واحترام الأنظمة، والتعامل الإيجابي مع التنوع الثقافي والفكري في إطار الثوابت الشرعية والوطنية. وذلك بالتوازي مع أهمية إنشاء وحدات للتوعية الفكرية داخل المؤسسات التعليمية والجامعات، لتكون أداة معرفية وتوعوية تسهم في نشر الثقافة الفكرية الصحيحة، وتحقق الوعي الفكري، ورصد التحديات الفكرية المستجدة، وتنفيذ البرامج التدريبية والملتقيات العلمية والمبادرات التثقيفية التي تعزز الحصانة الفكرية لدى الطلاب ومنسوبي المؤسسات التعليمية. ويعد هذا التكامل بين المقرر الأكاديمي ووحدات التوعية الفكرية من شأنه أن يحقق منظومة متكاملة تجمع بين التأصيل العلمي والممارسة التوعوية، وتنتقل بالأمن الفكري أو الوعي الفكري من مجرد مفهوم نظري إلى ثقافة مؤسسية وسلوك أكاديمي ومجتمعي راسخ، فإذا كانت الجامعات تؤدي دورها في إعداد الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة التنمية في مختلف المجالات والتخصصات، فإن من أولى مسؤولياتها أيضاً إعداد المواطن الواعي فكرياً، المعتز بدينه ووطنه، القادر على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية بعلم وحكمة، والمشارك بفاعلية في بناء مجتمع آمن ومستقر ومزدهر، فالاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من الاستثمار في العقل والفكر، والأمن الفكري هو الحصن الذي يحمي هذا العقل، ويضمن أن تبقى مسيرة التنمية والبناء قائمة على الوعي، والمعرفة، والمسؤولية.

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد