محمد الدغريري يكتب مشروع ولي العهد الرياضي
محمد الدغريري يكتب مشروع ولي العهد الرياضي
1 يوليو 2026 ــ
1:12 ص |
كتب.. محمد الدغريري منذ إطلاق رؤية المملكة 2030، وضع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود الرياضة في قلب مشروع التحول الوطني، إدراكًا منه بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية لأي نهضة مستدامة. ولم يعد الاهتمام بالرياضة مقتصرًا على تحقيق البطولات أو استضافة الأحداث العالمية، بل أصبح جزءًا من مشروع وطني متكامل يهدف إلى صناعة أجيال أكثر صحةً وطموحًا، وترسيخ مكانة المملكة بين الدول الرائدة في مختلف المجالات.ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع المنظومة الوطنية للتعليم والتطوير الكروي ليجسد رؤية سمو ولي العهد في بناء مستقبل الكرة السعودية على أسس علمية ومؤسسية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة أو الاجتهادات الفردية. فالمشروع لا يبحث عن نجاح لحظي، بل يؤسس لصناعة كروية متكاملة تبدأ بالطفل، وتنتهي بلاعب محترف قادر على تمثيل الوطن في أكبر المحافل القارية والعالمية.لقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة كرويًا أن البطولات لا تُصنع داخل المستطيل الأخضر فقط، وإنما تبدأ من المدارس، والأكاديميات، والجامعات، ومراكز البحث والتطوير. فاللاعب المتميز هو نتاج منظومة متكاملة، تعمل وفق رؤية واضحة، وتؤمن بأن الموهبة وحدها لا تكفي ما لم تجد البيئة العلمية التي ترعاها وتصقلها.ومن هنا جاءت هذه المنظومة لتضع المملكة على الطريق الصحيح، عبر إنشاء جهة وطنية تتولى مسؤولية اكتشاف المواهب والإشراف على تطويرها في جميع مناطق المملكة، وفق معايير موحدة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص. كما تتضمن إنشاء أكاديميات وطنية متخصصة تُعنى بالتأهيل الفني والبدني، والرعاية الطبية، والتغذية الرياضية، والإعداد النفسي، لتصبح بيئة احترافية قادرة على صناعة اللاعب منذ سنواته الأولى.ولأن بناء اللاعب يبدأ قبل أن يرتدي قميص النادي، فقد أولى المشروع اهتمامًا بالغًا بالمراحل التعليمية كافة. إذ تبدأ الرحلة من رياض الأطفال، عبر تنمية المهارات الحركية الأساسية وتعزيز حب الرياضة، ثم تمتد إلى المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية، حيث يصبح النشاط الكروي جزءًا من العملية التعليمية، مع تنظيم دوريات مدرسية رسمية تسهم في اكتشاف المواهب مبكرًا، وربطها بالأندية ومراكز التدريب، بما يضمن استمرار تطويرها وفق برامج علمية مدروسة.ولا يقتصر المشروع على إعداد اللاعبين فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة معرفية متكاملة، من خلال إنشاء جامعة وطنية متخصصة في كرة القدم والعلوم الرياضية، تُعنى بإعداد المدربين، والإداريين، والمحللين، وأخصائيي الطب الرياضي، وعلوم الحركة، والإعلام والتسويق الرياضي، وهو ما يعكس إيمان القيادة بأن النجاح الرياضي لا يتحقق إلا بتكامل جميع عناصر المنظومة.كما أن المشروع لم يغفل جانب الاستدامة، حيث وضع إطارًا واضحًا للتمويل يعتمد على الدعم الحكومي، والشراكات مع القطاع الخاص، والرعايات الرياضية، والصناديق التنموية، بما يضمن استمرار البرامج وتطويرها، بعيدًا عن التقلبات أو الحلول المؤقتة. وفي الوقت ذاته، نص على تشكيل لجنة عليا للإشراف على التنفيذ، وقياس مؤشرات الأداء، ومتابعة تحقيق الأهداف، بما يعزز مبادئ الحوكمة والشفافية والكفاءة.وتكشف المستهدفات المعلنة حتى عام 2040 عن حجم الطموح الذي يحمله هذا المشروع؛ إذ يسعى إلى توسيع قاعدة الممارسين لكرة القدم، وإنشاء أكاديميات وطنية متخصصة، ورفع جودة المنافسات المحلية، وإعداد جيل سعودي قادر على المنافسة في كأس العالم والبطولات القارية، وصولًا إلى ترسيخ مكانة المملكة ضمن نخبة الدول الكروية عالميًا.إن ما يميز هذا المشروع أنه لا يعالج تحديات الحاضر فحسب، بل يصنع مستقبلًا مختلفًا لكرة القدم السعودية. فهو ينقل الفكر الرياضي من مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، ويؤسس لصناعة كروية تقوم على التعليم والبحث العلمي والابتكار، بدلاً من الاعتماد على الموهبة وحدها.وفي تقديري، فإن هذا المشروع، إذا نُفذ وفق الرؤية التي رسمها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لن يكون مجرد برنامج لتطوير كرة القدم، بل سيكون نقطة تحول تاريخية في مسيرة الرياضة السعودية، ونموذجًا عالميًا في كيفية صناعة الأبطال، وبناء منظومة مستدامة تضمن استمرار الإنجازات جيلاً بعد جيل، ليصبح الحلم السعودي في اعتلاء منصات التتويج العالمية واقعًا تصنعه الرؤية، ويترجمه العمل، ويحصد ثماره الوطن.


