على مسافة كيلومتر واحد فقط.. هايابوسا 2 الياباني يستعد لمواجهة جرم فضائي مجهول | علوم
Published On 30/6/202630/6/2026يستعد مسبار الفضاء الياباني المخضرم “هايابوسا 2” (Hayabusa2) لخوض واحدة من أكثر العمليات الفضائية جرأة في تاريخ استكشاف الكون الحديث. ففي 5 يوليو/تموز 2026 المقبل، سيحلق المسبار بسرعة هائلة بجوار الكويكب القريب من الأرض “توريفوني” (Torifune) لالتقاط صور وبيانات علمية فريدة.بدأت هذه الملحمة الفضائية الطموحة عندما أطلقت وكالة الفضاء اليابانية “جاكسا” هذا المسبار في عام 2014، حيث نجح في مهمته الأساسية المتمثلة في جمع عينات من الكويكب “ريوغو” (Ryugu) وإعادتها إلى الأرض بنجاح مبهر عام 2020.رسم تخيلي لمسبار “هايابوسا 2” الياباني الذي سيحلق بالقرب من الكويكب “توريفوني” يوم 5 يوليو/تموز 2026 (جاكسا)وبدلا من إحالته إلى التقاعد بعد هذا الإنجاز التاريخي، قرر العلماء تمديد مهمته ليواصل الإبحار في الفضاء العميق، متجها اليوم نحو اختبار ملاحة ذاتية معقد ينبئ بمستقبل جديد لاستكشاف الأجرام السماوية القريبة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
تحدي الملاحة الذاتية على حافة الخطر
تعد هذه المناورة المرتقبة واحدة من أصعب التحديات التقنية التي تواجهها مركبة فضائية من هذه الفئة؛ إذ سيمر المسبار على مسافة تتراوح بين كيلومتر واحد وعشرة كيلومترات فقط من سطح الكويكب، متحركا بسرعة خارقة تصل إلى 5.3 كيلومتر في الثانية.هذه السرعة الخاطفة تعني أن نافذة الرصد وسبر الأغوار ستستغرق ثوانٍ معدودة فقط، مما يتطلب أنظمة توجيه ذاتية بالغة الدقة والتعقيد لتفادي المخاطر الكونية.وحول هذا الإنجاز، صرح “ساتوشي تاناكا”، العالم والمسؤول في وكالة الفضاء اليابانية (جاكسا)، خلال عرض علمي مؤخرا: “هذه واحدة من أقرب مواجهات الكويكبات التي جرت محاولتها على الإطلاق. ومن خلال الجمع بين تقنيات الملاحة المتقدمة والقدرات الهندسية للمسبار، جعلنا التحليق ممكنا على مسافة كيلومتر واحد فقط”.ويعكس هذا النجاح المذهل أكثر من عقد من التطوير الهندسي والخبرة المتراكمة لدى الوكالة.
وحش جديد في حديقة الكويكبات الغامضة
بالرغم من تتبع علماء الفلك للكويكب “توريفوني” الذي يبلغ عرضه حوالي 450 مترا، إلا أن طبيعته الحقيقية وبنيته الداخلية لا يزالان يكتنفهما الغموض التام؛ فلا أحد يعلم إن كان كتلة صلبة واحدة، أم تجمعا مفككا من الحطام الصخري.هذا المجهول يثير حماسة المجتمع العلمي ويضاعف خطورة المهمة في آن واحد. وفي هذا الصدد، أوضح “باتريك ميشيل”، الباحث الرئيسي في مهمة “هيرا” (Hera) التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية وعضو الفريق العلمي للمسبار الياباني، لموقع “سبايس” (Space)، قائلا: “إنها عملية محفوفة بالمخاطر لأنها لم تكن مخططة مسبقا”.رسم تخيلي لمسبار الفضاء الياباني “هايابوسا 2” بالقرب من الأرض (جاكسا)وأضاف معبرا عن شغف الاكتشاف: “سنكتشف كيف يبدو شكل هذا الكويكب. ففي كل مرة نرى فيها كويكبا جديدا، نصاب بالدهشة، ونحن على وشك اكتشاف وحش آخر لنضعه في حديقة حيوان الكويكبات”.
دفاع كوكبي وأهداف تمتد وراء الأفق
لا تتوقف أهمية هذا التحليق الخاطف عند حدود دراسة كويكب واحد، بل تمتد لتسهم في تطوير إستراتيجيات “الدفاع الكوكبي” العالمية لحماية الأرض من خطر الاصطدامات المستقبلية عبر اختبار قدرات الاستطلاع والتقييم السريع، مكملة بذلك نجاح مهمة “دارت” (DART) التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عام 2022.ولن تكون هذه المواجهة المحطة الأخيرة في مسيرة المسبار الحافلة؛ فهدفه الأسمى يتجلى في الوصول إلى الكويكب المتناهي الصغر “كيه واي 26” (1998 KY26) عام 2031، والذي يبلغ عرضه 11 مترا فقط، في محاولة تاريخية أخرى للهبوط عليه.مقارنة بين حجم الكويكب “ريوغو” الذي زارته مركبة “هايابوسا 2” عام 2020، وبين هدفها التالي “كيه واي 26” الذي يُعد أصغر بكثير (جاكسا)تذكرنا هذه الرحلات المتواصلة بالجوهر الفلسفي للعلم الكامن في التحدي المستمر للمجهول. فالمسبار الذي صُمم لمهمة محددة يستمر اليوم في العطاء، مبرهنا على أن العقل البشري لا تحده مسافات.إن الاستكشاف الفضائي ليس مجرد سباق تكنولوجي جامد، بل هو تجسيد حي لفضول الإنسان الأزلي وقيمته الفكرية السامية؛ فنحن لا نستكشف الصخور السابحة في الظلام، بل نبحث عن أجوبة لقصة وجودنا، مؤكدين أن العلم هو الجسر الأرقى الذي يربط حاضرنا المتواضع باتساع الكون اللامتناهي.



