الذهب يتراجع مع تصاعد مخاوف التضخم ورفع الفائدة من جانب الفيدرالي

في الوقت الذي رفعت فيه منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) توقعاتها طويلة الأجل للطلب على النفط للعام الثالث على التوالي، متوقعة الآن ارتفاع الاستهلاك العالمي بمقدار 19 مليون برميل يوميًا، أو بنسبة 18%، بحلول عام 2050، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية أن إنتاج البلاد من النفط وصل إلى أعلى مستوى له منذ 13 عامًا.ويبلغ إنتاج ليبيا الحالي من النفط الخام نحو 1.487 مليون برميل يوميًا، وهو أقل بقليل فقط من الهدف قصير الأجل للمؤسسة الوطنية للنفط البالغ 1.5 مليون برميل يوميًا، ما يفتح الطريق أمام تحقيق الهدف الاستراتيجي طويل الأجل المتمثل في الوصول إلى 2.1 مليون برميل يوميًا خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.والسبب الذي يقف وراء رفع أوبك توقعاتها للطلب العالمي طويل الأجل على النفط — والمتمثل في إعطاء الحكومات أولوية متزايدة لأمن الطاقة بدلًا من التحول السريع بعيدًا عن الوقود الهيدروكربوني — كان أيضًا عاملًا رئيسيًا في زيادة الاستثمارات الأجنبية وتطورات قطاع النفط في ليبيا، خاصة من جانب الشركات الغربية.ومنذ اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، سارعت الشركات الغربية إلى البحث عن إمدادات جديدة من النفط والغاز حول العالم لتعويض الإمدادات التي فقدتها بسبب العقوبات المفروضة على صادرات الطاقة الروسية.لكن السؤال الرئيسي يبقى: إلى أي مدى يبدو هدف ليبيا طويل الأجل بإنتاج 2.1 مليون برميل يوميًا واقعيًا؟
احتياطيات ضخمة واستثمارات غربية تعيد ليبيا إلى دائرة الاهتماممن الناحية الجيولوجية، لا يوجد ما يمنع ليبيا من الوصول إلى مستويات إنتاج أعلى بكثير.فالدولة تمتلك نحو 48 مليار برميل من احتياطيات النفط الخام المؤكدة، وهي الأكبر في أفريقيا. وقبل الإطاحة بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011، لم تكن ليبيا تواجه صعوبة في الحفاظ على إنتاج يقارب 1.65 مليون برميل يوميًا من النفط الخام الخفيف منخفض الكبريت وعالي الجودة.وكانت الخامات الرئيسية مثل السدرة والشرارة تحظى بتقدير خاص في أسواق البحر المتوسط وشمال غرب أوروبا بسبب قدرتها العالية على إنتاج البنزين والمقطرات المتوسطة.كما كان الإنتاج يسير في اتجاه تصاعدي مستمر، إذ ارتفع من نحو 1.4 مليون برميل يوميًا عام 2000، رغم أنه ظل أقل بكثير من مستوى أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا الذي حققته ليبيا في أواخر ستينيات القرن الماضي.والأهم أن المؤسسة الوطنية للنفط كانت قد وضعت قبل عام 2011 خططًا لتطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز للنفط في الحقول التي بدأت تتراجع معدلات إنتاجها.وكان تقدير المؤسسة بأن هذه التقنيات يمكن أن تضيف نحو 775 ألف برميل يوميًا من الطاقة الإنتاجية يبدو واقعيًا للغاية، كما أن اهتمام الشركات الغربية بتطوير مشاريع نفطية جديدة لم يكن يظهر أي علامات على التراجع في ذلك الوقت.وفي أواخر عام 2021، وافقت حكومة الوحدة الوطنية الليبية على بيع حصة شركة هيس الأمريكية البالغة 8.16% في امتيازات نفط الواحة العملاقة إلى بقية الشركاء.وكان الشركاء المتبقون هم شركة توتال إنرجي الفرنسية بحصة 16.3%، وشركة كونوكو فيليبس الأمريكية بحصة 16.3%، حيث كان من المقرر أن تحصل كل منهما على نصف حصة هيس.وجاء ذلك بعد أخبار إيجابية في أبريل من العام الماضي عقب اجتماع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله مع الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجي باتريك بويانيه.ووافقت الشركة الفرنسية على مواصلة جهودها لزيادة إنتاج النفط من حقول الواحة والشرارة ومبروك والجرف بما لا يقل عن 175 ألف برميل يوميًا، إلى جانب إعطاء الأولوية لتطوير حقلي شمال جالو وNC-98 ضمن امتياز الواحة، وفقًا للمؤسسة الوطنية للنفط.وقالت المؤسسة إن امتيازات الواحة، التي حصلت توتال إنرجي على حصة أقلية فيها عام 2019، كانت قادرة على إنتاج ما لا يقل عن 350 ألف برميل يوميًا مجتمعة.وفي الفترة نفسها تقريبًا، ظهرت تقارير تفيد بأن شركة شل تدرس العودة إلى ليبيا، بعد لقاء ممثلين كبار من الشركة مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله خلال زيارة إلى طرابلس.وكانت شل قد أوقفت عملياتها في ليبيا عام 2012، جزئيًا بسبب شروط العقود، لكن السبب الرئيسي كان تدهور الوضع الأمني بعد الإطاحة بالقذافي.
الانقسامات السياسية تهدد مستقبل الإنتاج رغم ثقة الغربلكن بحلول منتصف يونيو 2022، بدأ حصار جديد للنفط الليبي، بعدما لم يتم تنفيذ العناصر الأساسية من اتفاق السلام التاريخي الذي تم التوصل إليه في 18 سبتمبر 2020 لإنهاء الحصار النفطي الضخم السابق.وفي ذلك الوقت، أوضح قائد الجيش الوطني الليبي في الشرق، المشير خليفة حفتر، للطرف المقابل الذي أُبرم معه الاتفاق، وهو حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس، أن الاتفاق سيكون مؤقتًا فقط إلى حين التوصل إلى حل بشأن كيفية توزيع عائدات النفط في البلاد على المدى الطويل.وكان الحل من وجهة نظره، والذي حظي بدعم حكومة الوفاق آنذاك، يتمثل في تشكيل لجنة فنية مشتركة تتولى:”الإشراف على عائدات النفط وضمان التوزيع العادل للموارد، ومراقبة تنفيذ بنود الاتفاق خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، على أن يتم تقييم عملها في نهاية عام 2020 ووضع خطة للعام التالي”.ولمعالجة حقيقة أن حكومة الوفاق آنذاك كانت تسيطر فعليًا على المؤسسة الوطنية للنفط، وبالتالي على مصرف ليبيا المركزي الذي تُودع فيه الإيرادات، كان من المفترض أن تقوم اللجنة أيضًا بإعداد “ميزانية موحدة تلبي احتياجات كل طرف، وتسوية أي خلافات بشأن مخصصات الميزانية، وإلزام المصرف المركزي في طرابلس بتغطية المدفوعات الشهرية أو الفصلية المعتمدة في الميزانية دون تأخير بمجرد طلب اللجنة الفنية المشتركة تحويل الأموال”.لكن هذه الإجراءات لم تُطبق بشكل كافٍ عام 2022 لتجنب حصار نفطي جديد بعد حصار 2020، كما أنها لم تُنفذ حتى الآن.وبدلًا من ذلك، أقرت الفصائل المتنافسة في 11 أبريل من هذا العام ميزانية وطنية لعام 2026 بقيمة إجمالية تبلغ 190 مليار دينار ليبي، أي نحو 29.6 مليار دولار.كما تضمنت الميزانية تخصيص ميزانية تشغيلية محمية بقيمة 12 مليار دينار ليبي للمؤسسة الوطنية للنفط مباشرة، بهدف ضمان إنتاج الطاقة واستقرارها.ورغم الدعم الكبير لفكرة الميزانية من محافظ مصرف ليبيا المركزي الجديد ناجي محمد عيسى، إلى جانب الوساطة الدولية التي قادها المستشار الأمريكي الكبير مسعد بولس، فإن عدة أطراف تعتبرها تقسيمًا للنخبة بعيدًا عن المسار الديمقراطي.فعلى سبيل المثال، تصف المجالس العسكرية المستقلة والميليشيات في غرب ليبيا، بما في ذلك طرابلس ومصراتة والزاوية، هذه الترتيبات بأنها الأساس المالي لخارطة طريق سياسية مدعومة من الولايات المتحدة، من شأنها إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيسًا للوزراء، مع رفع نجل خليفة حفتر، صدام حفتر، إلى منصب الرئاسة.كما رفضت جهات مؤسسية رئيسية في غرب البلاد، بينها المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، الترتيبات السياسية المرتبطة بالميزانية، معتبرة أنها تتجاوز عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة.إضافة إلى ذلك، عارض مفتي ليبيا السابق الشيخ الصادق الغرياني الميزانية بشدة، معتبرًا أنها تعني “تسليم السلطة كاملة” إلى خليفة حفتر وأبنائه.ودعا علنًا القوات العسكرية في المنطقة الغربية ورئيس الوزراء الدبيبة إلى التخلي عن الاتفاق، واصفًا إياه بأنه خيانة تهدد استقلالية الغرب الليبي.كما ترى عدة فصائل أن الميزانية، بدلًا من معالجة فساد الدولة، قامت فقط بتحويله إلى نظام أكثر تنظيمًا وتنسيقًا للسرقة.ورغم أن هذا المشهد السياسي قد يؤدي، مثل السيناريوهات السابقة، إلى حصارات نفطية جديدة مستقبلًا، فإن الدول الغربية وشركاتها تبدو غير مترددة في العودة إلى ليبيا.وقال مصدر بارز يعمل بشكل وثيق مع ملف أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي لموقع أويل برايس: “هناك رؤية أساسية مفادها أن ليبيا كانت تعاني من المشاكل منذ عام 2011، وربما تستمر في ذلك، لكن في مرحلة ما قد تجد طريقها للحل، ولا توجد حاليًا خيارات كثيرة أخرى بحجمها في مجال النفط والغاز”.وفي ظل هذه الظروف، أعلنت شركة إيني الإيطالية مؤخرًا عن اكتشافات جديدة للغاز في المياه الليبية بالقرب من حقل بحر السلام، أكبر حقل غاز بحري منتج في ليبيا، مع تقديرات أولية تشير إلى وجود أكثر من تريليون قدم مكعبة من الغاز.ويؤكد هذا الحفر في المياه العميقة ثقة الشركات الغربية بقدرتها على مواصلة أعمالها في ليبيا لسنوات طويلة، إذ تتطلب هذه المشاريع رؤوس أموال كبيرة وضمانات أمنية طويلة الأجل.كما تعمل شركة بي بي البريطانية بالتعاون مع إيني في مشروع استكشاف ماتسولا بحوض سرت ضمن منطقة التعاقد 38/3 في البحر المتوسط.ويلتزم المشروع المشترك بحفر 16 بئرًا إضافية في ليبيا، سواء في المناطق البرية أو البحرية.كما وقعت بي بي مؤخرًا مذكرة تفاهم لتقييم خيارات إعادة تطوير حقلي السرير والمسلة العملاقين في اليابسة، ودراسة إمكانات تطوير النفط والغاز غير التقليدي.وفي الوقت نفسه، أعلنت توتال إنرجي مؤخرًا استئناف الإنتاج في حقل مبروك النفطي الليبي، معتبرة ذلك دليلًا على “التزامها طويل الأجل في ليبيا”.كما حصلت شركة كيه بي آر الأمريكية المتخصصة في التكنولوجيا والهندسة مؤخرًا على عقد لتقديم خدمات إدارة المشاريع والخدمات الفنية لمشروع مصفاة الجنوب في أوباري جنوب غرب ليبيا، ضمن جهود الشركة لدعم تطوير البنية التحتية الرئيسية للنفط والغاز في البلاد.

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد