علماء يحققون حلم الخيميائيين… تحويل الرصاص إلى ذهب

في العصور الوسطى، راود الخيميائيين حلم تحويل الرصاص إلى ذهب.

واليوم، نعرف أن الرصاص والذهب معدنان مختلفان، ولا يستطيع أي جهد في علم الكيمياء أن يحول أحدهما إلى الآخر.

وفي المقابل، تفيد معارفنا الحديثة بأن الفارق الأساس بين ذرة الرصاص وذرة الذهب، أن الأولى تحوي بالضبط ثلاثة بروتونات أكثر من الثانية. وإذن هل نستطيع تكوين ذرة ذهب بأن نخرج، بكل بساطة، ثلاثة بروتونات من تركيبة ذرة الرصاص؟

ووفق ما تبين الآن، نستطيع ذلك، لكنه ليس بالأمر اليسير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبصورة عرضية، تكونت كمية صغيرة من الذهب في سياق تجربة علمية نهض بها اختصاصيون في الفيزياء، سعت إلى إيجاد ظروف تحاكي ما كان عليه الكون في البرهة التي تلت لحظة ولادته التي تشتهر باسم “الانفجار العظيم” Big Bang. وتحمل تلك التجربة اسم “آليس” Alice، وجرت في “مصادم الهدرونات الكبير” Large Hadron Collider في سويسرا، وتضمنت تحطيم الذرات عبر مصادمتها ببعضها بعضاً أثناء تحركها بسرعات فائقة.

اقرأ أيضاً
جهاز لوحي جديد يتفوق على iPad mini في كل شيء تقريبًا – 25H

جهاز لوحي جديد يتفوق على iPad mini في كل شيء تقريبًا – 25H

وفي الواقع، لم تنتج تجربة “أليس” إلا كمية فائقة الصغر من الذهب بلغ مجموعها 29 جزءاً من تريليون جزء من الغرام.

كيف نسرق بروتون؟

توجد البروتونات في نواة الذرة، فكيف يمكن سحبها إلى الخارج؟

ولنتذكر أن البروتونات تحمل شحنات كهربائية موجبة، ما يعني أن حقلاً كهربائياً يستطيع جذبها إليه أو إبعادها عنه. ويشترط أن توضع نواة الذرة داخل ذلك الحقل كي يحصل ذلك التأثير.

وفي المقابل، يعرف عن نوى الذرات أن الجسيمات المكونة لها، تتلاصق مع بعضها البعض بقوة هائلة تعمل ضمن مسافات قصيرة، ويطلق على تلك الظاهرة تسمية القوة النووية الشديدة. ويعني ذلك أن إخراج البروتونات من النواة يتطلب وجود حقل كهربائي هائل الشدة، فيجب أن يفوق بمليون ضعف قوة الحقول الكهربائية الناتجة من البرق في الغلاف الجوي.

وتوصل العلماء إلى تكوين ذلك الحقل عبر ضرب حزم من نوى ذرات الرصاص ببعضها بعضاً، أثناء تحركها بسرعات فائقة تقارب سرعة الضوء.

سحر الاصطدام شبه المباشر

عندما تتصادم نوى الرصاص وجهاً لوجه، تتدخل القوة النووية الشديدة، لتفضي في النهاية إلى تدميرها كليا، غير أن المشهد الأكثر شيوعاً هو مرور النوى على مسافة قريبة من بعضها، بحيث لا يؤثر بعضها في بعض إلا عبر القوة الكهرومغناطيسية.

شاهد أيضاً
«الختم الفلكي» يوثق مرور الكويكب «1997 NC1» بالقرب من الأرض

«الختم الفلكي» يوثق مرور الكويكب «1997 NC1» بالقرب من الأرض

وتتناقص شدة المجال الكهربائي بسرعة كبيرة كلما ابتعدنا عن جسم يحمل شحنة كهربائية (كالبروتون مثلاً)، لكن عند المسافات شديدة القصر، يمكن حتى لشحنة صغيرة أن تولد مجالاً بالغ القوة.

وعليه، عندما تمر نواة رصاص بمحاذاة أخرى مروراً خاطفاً، يكون المجال الكهربائي بينهما هائلاً. ويؤدي التغير السريع في هذا المجال إلى إحداث اهتزازات في النواتين، وقد يتسبب أحياناً في انبعاث عدد من البروتونات. وإذا فقدت إحدى النواتين ثلاثة بروتونات تحديداً، فإن نواة الرصاص تتحول حينها إلى ذهب.

إحصاء البروتونات

لكن، إذا ما تحولت ذرة رصاص إلى ذهب، فكيف يمكن التحقق من ذلك؟ في تجربة “أليس” (ALICE)، يلجأ العلماء إلى كواشف خاصة تعرف باسم “المقاييس الحرارية ذات الزاوية الصفرية” بهدف رصد عدد البروتونات الخارجة من نوى ذرات الرصاص.

ولا يستطيع الباحثون رصد نوى الذهب نفسها بصورة مباشرة، لذا يقتصر إدراكهم لها على الاستدلال غير المباشر.

وفي تجربة “أليس”، أظهرت حسابات العلماء أنهم أنتجوا نحو 89 ألف نواة ذهب في الثانية، أثناء عملهم على مصادمة حزم نوى الرصاص ببعضها البعض. وكذلك لاحظوا تكون عناصر أخرى من بينها عنصر “الثاليوم” الذي يتكون حين تلفظ نواة رصاص بروتوناً واحداً إلى خارجها، وكذلك عنصر الزئبق الذي تتشكل نواته حينما يخرج بروتونان من نواة ذرة رصاص.

قد يهمك
اكتشاف جديد في الكوكب الأحمر.. هل اقترب العلماء من كشف سر الحياة على المريخ؟

اكتشاف جديد في الكوكب الأحمر.. هل اقترب العلماء من كشف سر الحياة على المريخ؟

إزعاج خيميائي

بمجرد أن تتحول نواة الرصاص بفعل فقدان البروتونات، فإنها تغادر المدار المثالي الذي يبقيها تدور داخل أنبوب الحزمة الفراغي في مصادم الهادرونات الكبير. وخلال أجزاء من الميكروثانية، تصطدم هذه النواة بجدران الأنبوب.

ويؤدي هذا الأثر إلى تراجع كثافة الحزمة مع مرور الوقت، ما يجعل إنتاج الذهب في المصادم، من منظور العلماء، مصدر إزعاج أكثر منه مكسباً.

ومع ذلك، يظل فهم هذه “الخيمياء العرضية” أمراً ضرورياً لتفسير نتائج التجارب، فضلاً عن كونه خطوة أساسية في تصميم تجارب أكبر وأكثر تقدماً في المستقبل.

 

أولريك إيغيده بروفيسور في علوم الفيزياء في جامعة موناش، أستراليا.

نشر المقال أصلاً في موقع “كونفرسيشن” ويعاد نشره بموجب ترخيص “كرييتف كومونز”، رابط المقالة الأصلية.

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد