إيهاب السعيد: قوة الدولار وتشدد الفيدرالي وراء التراجع الحاد في سعر الذهب
أكد الخبير الاقتصادي إيهاب السعيد أن التراجعات القوية التي شهدتها أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة لم تكن مفاجئة للمتابعين للأسواق العالمية، موضحاً أن المعدن النفيس كان قد سجل ارتفاعات كبيرة خلال الأشهر الماضية مدفوعاً بتوقعات مبالغ فيها بشأن تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي وأسواق المال.وأوضح السعيد أن الذهب استفاد قبل اندلاع الحرب من حالة القلق وعدم اليقين التي سيطرت على المستثمرين، إلا أن الأسعار بدأت في التراجع بمجرد بدء المواجهات الفعلية، في مشهد يتكرر كثيراً داخل الأسواق المالية، حيث غالباً ما يتم تسعير المخاطر مسبقاً قبل وقوع الأحداث.
الحرب رفعت التضخم وأعادت الفائدة إلى الواجهة
وأشار السعيد إلى أن الحرب وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار النفط عززا المخاوف التضخمية عالمياً، مؤكداً أن تأثير هذه التطورات لا يختفي بمجرد انتهاء الأحداث السياسية أو العسكرية.وأضاف أن التضخم في الولايات المتحدة لا يرتبط فقط بأسعار الطاقة، بل توجد عوامل أخرى تدعم استمرار الضغوط التضخمية، وهو ما دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تبني موقف أكثر تحفظاً بشأن خفض أسعار الفائدة.ولفت إلى أن الرسائل الصادرة عن الفيدرالي خلال اجتماعه الأخير أوضحت إمكانية الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، مع عدم استبعاد رفع جديد للفائدة إذا استمرت معدلات التضخم عند مستوياتها الحالية.
لماذا يضغط ارتفاع الدولار على الذهب؟
وأوضح الخبير الاقتصادي أن العلاقة بين الذهب والدولار الأمريكي تُعد من أبرز العلاقات العكسية في الأسواق العالمية، حيث يؤدي ارتفاع العائد على الدولار والسندات الأمريكية إلى تقليص جاذبية الذهب لدى المستثمرين.وأشار إلى أن الذهب لا يوفر عائداً دورياً مثل السندات أو الودائع، بل يُستخدم بشكل أساسي كأداة للتحوط من التضخم والأزمات الاقتصادية، لكن عندما تبدأ البنوك المركزية في مواجهة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة، تتجه السيولة نحو الأصول التي توفر عائداً أعلى، وفي مقدمتها الدولار والسندات.وأضاف أن مؤشر الدولار الأمريكي نجح خلال الفترة الأخيرة في تسجيل مستويات هي الأعلى منذ نحو 13 شهراً، مدعوماً بتوقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة، وهو ما شكل ضغطاً إضافياً على أسعار الذهب.
التحليل الفني يدعم الاتجاه الهابط
وأكد السعيد أن العوامل الاقتصادية الأساسية تتوافق حالياً مع الصورة الفنية للذهب، مشيراً إلى أن حركة الأسعار منذ مارس الماضي أظهرت تكوين قمم وقيعان هابطة، وهو ما يعكس استمرار الاتجاه النزولي على المدى القصير.وأوضح أن القاعدة الأساسية في التحليل الفني تشير إلى أن الاتجاه القائم يميل إلى الاستمرار حتى تظهر إشارات واضحة على انعكاسه.وأضاف أن أولى العلامات الإيجابية لعودة الذهب إلى الصعود تتمثل في تكوين قيعان أعلى من القيعان السابقة وقمم أعلى من القمم السابقة، وهو ما لم يتأكد بشكل كامل حتى الآن.وحذر السعيد المستثمرين من اللجوء إلى الشراء المتكرر أثناء الاتجاهات الهابطة دون ظهور إشارات فنية واضحة على انتهاء التراجع.وأوضح أن كثيراً من المتعاملين يقعون في خطأ زيادة المراكز الشرائية مع كل انخفاض جديد، اعتقاداً منهم أن الأسعار ستعود سريعاً إلى الصعود، إلا أن استمرار الاتجاه الهابط قد يؤدي إلى خسائر كبيرة واستنزاف السيولة المتاحة.وأكد أن إدارة المخاطر تظل أحد أهم عناصر النجاح في الاستثمار، خاصة خلال فترات التقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق العالمية.
هل انتهت فرص صعود الذهب؟
كما أشار إلى أن البنوك المركزية لا تتعامل مع الذهب بهدف المضاربة أو تحقيق أرباح قصيرة الأجل، وإنما تستخدمه ضمن استراتيجية تنويع الاحتياطيات إلى جانب الدولار واليورو والعملات الأجنبية والسندات الحكومية.وأضاف أن زيادة حيازات الذهب لدى بعض البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة ارتبطت أيضاً بعوامل جيوسياسية، من بينها المخاوف المتعلقة بالعقوبات الاقتصادية وتجميد الأصول الأجنبية.وأكد السعيد أن التراجعات الحالية لا تعني انتهاء فرص الصعود مستقبلاً، موضحاً أن الأسواق المالية بطبيعتها تمر بدورات متعاقبة من الصعود والهبوط. وأشار إلى أن المستثمرين يراقبون حالياً أي ارتدادات سعرية قد تمثل بداية لتكوين قاع جديد، إلا أن الحكم على تغير الاتجاه يحتاج إلى تأكيدات فنية واضحة قبل اتخاذ قرارات استثمارية جديدة. وقال السعيد إن الاستفادة من الآراء المختلفة داخل الأسواق المالية، مشدداً على أن تنوع وجهات النظر والتحليلات يساهم في تكوين صورة أكثر شمولاً ودقة للمستثمرين، ويساعدهم على اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية ومنهجية.



