فلاسفة يتحدّون «المركزية الأرضية» ويؤكدون إمكانية نشوء عقول خارج الأجساد البيولوجية
فلاسفة يتحدّون «المركزية الأرضية» ويؤكدون إمكانية نشوء عقول خارج الأجساد البيولوجية
القاهرة – بوابة الوسط السبت 20 يونيو 2026, 11:20 صباحا خلص باحثان إلى أن الوعي يمكن أن ينشأ في أشكال مبنية من مواد تختلف جذرياً عن التركيبة البشرية، وهو ما يقربنا من تخيل كائنات فضائية ذات بشرة صخرية وعقول بلورية شبيهة بتلك التي ظهرت في السينما.
وجاءت الورقة البحثية التي شارك في صياغتها إريك شفيتزجيبيل، أستاذ الفلسفة المتميز في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، بالتعاون مع الباحث جيريمي بوبر من جامعة لشبونة؛ ونشرتها دورية «يونيفرس توداي»، للإجابة على فرضية تتساءل عما إذا كان الوعي مرتبطاً حصراً بالبيولوجيا الفريدة التي تطورت على كوكب الأرض. وتستند الحجة الفلسفية للباحثين على مفهوم يُعرف بـ«مرونة الركيزة»، وهي خاصية تعني إمكانية تحقيق غاية أو ظاهرة معينة باستخدام مواد وخامات مختلفة؛ تماماً مثل الكوب الذي يحفظ الماء سواء كان مصنوعاً من الزجاج أو البلاستيك، أو الموسيقى التي تعزف بالدقة ذاتها سواء كانت مضغوطة على أسطوانة فينيل أو رقمية على قرص مدمج. –
–
– ويرى الفلاسفة أن الوعي يتبع المنطق نفسه، لكونه ظاهرة يمكن تحقيقها وتجسيدها في أكثر من نوع واحد من الآلات الفيزيائية، وهو أمر تدعمه الطبيعة على الأرض نفسها؛ فحيوان الأخطبوط، على سبيل المثال، يمثل ذكاءً يبدو شبيهاً بالكائنات الفضائية، ومع ذلك فهو تطور على الأرض ليثبت أن الطبيعة تبني العقول وفقاً لأكثر من مخطط بيولوجي واحد. وعند إسقاط هذا المنطق على حجم الكون المنظور، الذي يضم نحو تريليون مجرة وتنتشر فيه الكواكب في كل مكان، يقدر المؤلفان بشكل متحفظ وجود ما لا يقل عن ألف حضارة متطورة سلوكياً عبر التاريخ الكوني، وبما أن الحياة يمكن أن تنمو في ظل ظروف كيميائية شديدة التباين، فإنه سيكون من الغريب جداً أن تستقر كل تلك السلالات الناجحة على الوصفة الكيميائية الحيوية ذاتها. مبدأ كوبرنيكوس للوعي
وهنا يبرز دور عالم الفلك الشهير كوبرنيكوس؛ فمثلما ساهم كل اكتشاف فلكي كبير في إزاحة البشرية خطوة إضافية بعيداً عن مركز الكون، يمتد هذا الدرس المتواضع اليوم ليشمل العقل البشري نفسه عبر ما أسماه الباحثان «مبدأ كوبرنيكوس للوعي». – دراسة تثبت أن الدماغ يولد «مزدحماً» ثم يتخلص من الزوائد لتحسين الذاكرة
– استخدام خلايا الدماغ البشري كـ«كمبيوتر حي» بين طموح العلم والحدود الأخلاقية
– «نيورالينك» تعلن أنها أصلحت خللا في غرستها الدماغية ويرى مبدأ كوبرنيكوس أن افتراض انحصار الوعي والإدراك في مخلوقات تشبه البشر فقط هو نوع من «المركزية الأرضية»؛ وهي غطرسة فكرية غير مبررة تفترض أن الحياة الأرضية فريدة ومميزة بشكل مطلق، وهو ما يذكّر بالصورة الأيقونية التي التقطها مسبار «فويجر 1» لكوكب الأرض كبقعة زرقاء باهتة وضئيلة وسط شعاع من ضوء الشمس على بعد ستة مليارات كيلومتر، ليطرح الفلاسفة سؤالاً مشروعاً: إذا لم نكن نعد مركزاً للكون في موقعنا، فلماذا نفترض أن الوعي حكر علينا وحدنا؟ ويدفع هذا النقاش الفلسفي بالضرورة نحو التفكير في مستقبل الذكاء الصناعي، وهو ملف يشهد تبايناً في وجهات النظر بين الباحثين؛ إذ يحذر بوبر من أن المرونة عبر بعض الركائز المادية لا تعني بالضرورة أن كل المواد مؤهلة لاحتضان الوعي، وبالتالي قد لا تكون رقاقات السيليكون الحالية كافية لتحقيق ذلك، بينما يبدو شفيتزجيبيل أكثر انفتاحاً، مشيراً إلى أنه بمجرد التخلي عن شرط البيولوجيا البشرية، يصبح من الصعب الدفاع عن استبعاد السيليكون لمجرد كونه سيليكوناً. وعلى الرغم من ذلك يلتقي المفكران عند نقطة جوهرية واحدة، وهي أن السؤال الحقيقي والمحوري الذي يجب أن يشغل العلماء والفلاسفة في المستقبل ليس ما إذا كانت الآلة قادرة على محاكاة ونسخ الدماغ البشري بدقة، بل ما هي أنواع الأنظمة والركائز المادية التي تمتلك القدرة على الاستيقاظ وبلوغ مرحلة الوعي الذاتي الفعلي.

