إنهم يدعون للتعليم بالإنجليزية لأنهم ضعيفون في العربية!

هناك تحوّل كبير وحاد نحو التعليم بالإنجليزية في مختلف مراحل التعليم، خاصة الجامعي، وأصبحت الجامعات تتسابق إلى ذلك، فتهاوت كليات وأقسام للتعلم بالإنجليزية بدلًا من العربية. وهذا يستدعي أسئلة كثيرة، أهمها: لماذا؟ وهل ادعاءاتهم صحيحة؟ وإلى أي حد سيقفون؟ والسؤال الآخر: هل من الممكن فهم دواعي ذلك بالنظر إلى نوعية دعاة هذا التوجه؟ الجواب: ربما نعم! إن النظر إلى أرباب ذلك التوجه، من حيث تخصصاتهم وخلفياتهم العملية وتجاربهم الثقافية، ييسّر فهم دوافع دعاويهم. لاحظ أن أكثر الجهات تمسكًا بالإنجليزية أتاها هذا الشغف من أمرين: إما أن الجهة قائمة أساسًا على أجانب غير عرب، أو من أبنائنا خريجي الجامعات الإنجليزية. بدأ ذلك في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، التي أُنشئت بمشاركة خبرات غربية ومناهج غربية كذلك، وحدث مثله مع تعليم الطب، إذ أُنشئت كليات الطب بالشراكة مع جامعات غربية، واضطرت حينها إلى الالتزام بالإنجليزية، ولكن استمر هذا الأمر بعد عودة مبتعثي الطب، واتباعهم النهج القديم بحجة مواكبة تطور الطب. بعدها أتت الكليات الأخرى الهندسية والعلمية في جميع جامعات المملكة، ووصل الأمر إلى مدارس التعليم العام وظهور مدارس العالمية وثنائية اللغة. ولأن الأمر يسير بهذا الاندفاع، أصبحت الإنجليزية تزاحم العربية في تخصصات أساسها عربي وتعمل في بيئة عربية لتخدم العرب، كالقانون والإعلام والاقتصاد والمحاسبة وإدارة الأعمال، بل بلغ الأمر أن تُدرَّس الفنون بالإنجليزية. وقد رصد الباحثون مثل هذا التحول؛ إذ يُشير خبراء إلى أن اعتماد التعليم بالإنجليزية (EMI) يُهدد الهوية الثقافية ويُضعف حضور العربية في البيئات الأكاديمية، خاصة أن هناك غيابا للخطط الشاملة لتقييم هذا التوجه ومتابعة تطبيقه. وإن استمر الأمر على هذا النحو، فسوف يصل إلى أقسام الشريعة والعربية ذاتها، وهذا واقع يحدث بصورة غير مباشرة، إذ تُلزم بعض الجامعات أساتذتها في هذه التخصصات بالنشر في مجلات إنجليزية ضمن تصنيفات ISI، فتجد أساتذة اللغة والأدب العربي يفعلون ذلك ملزمين لا مختارين. الموضوع أبسط مما نتخيل، إن من يقود الجامعات اليوم سلك هذا المسلك لأنه لا يعرف العربية ولا يتقن الحديث بها، وليس لأنها عاجزة أو قاصرة. ويظهر أن مسؤولي تلك الجهات هم من خريجي الجامعات الغربية، الذين تلبّسوا بثقافتها، فاكتفوا بالإنجليزية تكاسلًا وعجزًا منهم لا عجزًا في العربية نفسها. ويُؤكد الباحثون أن التمسك الصارم بسياسة التعليم بالإنجليزية المفروضة من الأعلى؛ يُعيق تكوين ثقافة أكاديمية عضوية حقيقية، ويجعل من الصعب على الطلاب تحقيق أهدافهم الأكاديمية. أما الفرضية التي يقوم عليها هذا المقال، فهي أن من يدعو إلى التعليم بالإنجليزية هو ضحية ضعفه في العربية؛ فتجده لا يتقن الحديث بها خاصة الفصحى، ولأنه تعلّم الإنجليزية تعلمًا سليمًا ومنهجيًا فإنه أقدر على التحدث بها، إضافة إلى أن ذلك منحه ميزة على غيره، فأصبح يعتقد أن حديثه بالإنجليزية وحده مؤهّل عالٍ يُغني ربما عن الشهادات التخصصية. وتشير الأبحاث إلى أن التعليم بالإنجليزية في الجامعات السعودية مشكلة بحد ذاته، إذ إن التعلم بلغة غير الأم يجعل فهم النصوص أصعب واستيعابه أبطأ؛ فقد كشفت دراسة على 108 طلاب من أربع جامعات سعودية أن 32 في المائة منهم يعانون صعوبات في الفهم، و58 في المائة يضطرون إلى تخصيص وقت إضافي بسبب الحواجز اللغوية، كما تبيّن أن الأساتذة مضطرون إلى التحويل المستمر بين العربية والإنجليزية داخل الفصول. وتؤكد الأبحاث أيضًا أن برامج السنة التحضيرية لا تكفل انتقالًا مُرضيًا من التعليم بالعربية في المرحلة الثانوية إلى التعليم بالإنجليزية في الجامعة، مما يُفضي إلى فجوة معرفية ولغوية واسعة لدى الطلاب. وفي الميدان الطبي تحديدًا، كشفت دراسة موسّعة بالمنهج المختلط على 373 طالبًا في أربع كليات طب سعودية عن تحديات لغوية جسيمة يواجهها الطلاب في استيعاب المحتوى الطبي باللغة الإنجليزية. وعلى المستوى الدولي، تُوصي منظمة اليونسكو بأن التعليم بلغة الأم يُعزز التطور المعرفي ويرفع كفاءة التعلم، في حين أن التعليم بلغة غير مألوفة يُعيق الفهم ويرفع معدلات التسرب ويُكرّس عدم المساواة (UNESCO, 2003). وتُظهر الدراسات المقارنة في الفلبين وإثيوبيا وتنزانيا أن الطلاب الذين يتلقون التعليم بلغتهم الأم يُحققون نتائج أفضل في مختلف المواد مقارنةً بمن يتعلمون بلغة ثانية. وتتجلى التداعيات الأشمل لهذا التحول في أن سياسات التعليم بالإنجليزية في الجامعات العربية أفقدت الطلاب ثقتهم باللغة العربية بوصفها لغةً أكاديمية، وأدت إلى تراجع ملحوظ في مستوى كفايتهم فيها. وفي سياق خليجي مجاور، أعرب 73 في المائة من طلاب جامعة قطر عن قلقهم من أن توسع استخدام الإنجليزية يُهدد دور العربية، وأن التعليم بها في جميع المواد يُضعف اللغة والهوية والثقافة. ويُحذر الباحثون من أن اللغة العربية تمر بمرحلة تآكل تدريجي متسارع يتجلى في تراجع نطاقاتها الوظيفية ومكانتها الاجتماعية وجدواها المُدركة، لا سيما بين الأجيال الشابة وفي مجالات التقدم الاقتصادي والعلمي. وأخيرا، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي بأدواته المتعددة، أصبح حلًا سحريًا وعلاجًا جذريًا للحاجة إلى الإنجليزية، فهو أداة عظيمة للترجمة ونقل المعرفة؛ بتكلفة قليلة، وجودة عالية، وسرعة إنجاز مبهرة… وأعتقد أن الحاجة إلى تعلم اللغات تتناقص كثيرًا في عصر الذكاء الاصطناعي. إن الأمل كبير في مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ليعمل بجد في تفعيل السياسة اللغوية وتعزيز حضور العربية، لا مجرد توصيفها أو الحديث عن واقعها أو تقديم مقترحات مجردة عن التطبيق الفاعل. وكما تؤكد الدراسات أن تعزيز العربية عبر الإصلاحات التعليمية والسياسات الحكومية وتوظيف التكنولوجيا والإعلام هو السبيل لعكس مسار التآكل اللغوي وضمان حيوية اللغة مستقبلًا، لا أن يكون التوجه كله منصبًا لإبعادها والتخفف منها. ** ** د.حازم بن فهد السند – جامعة الملك سعود

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد