كنز كوني يظهر أخيراً.. مادة مجهولة تكشف كيف وُلدت النجوم الأولى
في إنجاز علمي قد يغير فهم البشرية لبدايات الكون، نجح فريق دولي من علماء الفلك في رصد أحد أكثر الألغاز استعصاءً في تاريخ الكون المبكر، بعدما تمكن من اكتشاف الغاز المحايد الذي غذّى ولادة النجوم الأولى داخل المجرات الناشئة، وذلك بعد نحو 700 إلى 800 مليون عام فقط من الانفجار العظيم.
ويُعد هذا الاكتشاف خطوة مفصلية لفهم كيفية تشكّل المجرات الأولى ونموها خلال ما يُعرف بـ”فجر الكون”، وهي الفترة التي شهدت انطلاق أولى عمليات بناء الهياكل الكونية التي نراها اليوم.
تاريخ الكون
على مدى سنوات طويلة، استطاع العلماء رصد النجوم والغازات الساخنة المتأينة في المجرات البعيدة، ما أتاح لهم إعادة رسم أجزاء مهمة من تاريخ الكون. إلا أن أحد أهم مكونات عملية تكوين النجوم ظل بعيد المنال، وهو الغاز المحايد الذي يشكل المادة الخام الأساسية التي تتولد منها النجوم.
ورغم القفزات العلمية التي حققتها التلسكوبات الفضائية الحديثة، فإن رصد هذا النوع من الغاز مباشرة كان يمثل تحدياً هائلاً، خاصة في المجرات البعيدة جداً التي تعود إلى بدايات الكون.
مجرات فتية
باستخدام مصفوفة التلسكوبات الراديوية العملاقة الموجودة في صحراء أتاكاما، ركّز الباحثون على أربع مجرات فتية تشهد نشاطاً مكثفاً في تكوين النجوم.
وتمكن الفريق من التقاط إشارة نادرة صادرة عن ذرات الأكسجين المحايدة، وهي إشارة تُعد من أدق الأدوات المتاحة لتتبع الغاز المحايد داخل المجرات. وتكمن أهمية هذا الرصد في أنه يتيح رؤية مباشرة للمادة التي تتحول لاحقاً إلى نجوم، بعيداً عن المؤشرات غير المباشرة التي كانت تستخدم سابقاً وتثير الكثير من الشكوك العلمية.
وللتأكد من النتائج، قارن العلماء الإشارات المكتشفة بإشارات أخرى مرتبطة بالغاز المتأين، ليتبين أن الجزء الأكبر من المادة المرصودة كان بالفعل من الغاز المحايد الذي طال البحث عنه.
ولم يقتصر الأمر على الرصد فقط، إذ جرى دمج البيانات مع مشاهدات حديثة من التلسكوبات الفضائية المتطورة، ما أتاح للباحثين دراسة الخصائص الفيزيائية والكيميائية للغاز داخل هذه المجرات.
مصانع نجمية
وكشفت النتائج أن تلك المجرات كانت تحتوي على كميات هائلة من الغاز الكثيف، بمستويات تضاهي أكثر المجرات الحديثة نشاطاً في إنتاج النجوم، ما يشير إلى أن الكون المبكر كان يضم “مصانع نجمية” فائقة الكفاءة تعمل بوتيرة مذهلة.
كما أوضحت الدراسة أن الظروف البيئية داخل تلك المجرات تختلف عن مثيلاتها الحالية، ما يمنح العلماء فهماً أعمق للكيفية التي تطورت بها المجرات عبر مليارات السنين.
ويُصنف هذا الإنجاز على أنه أبعد رصد مباشر للغاز المحايد يتم تحقيقه حتى الآن في مجرات طبيعية تشهد تكوين النجوم.
وقال الباحث الرئيسي المشارك في الدراسة، البروفيسور يوشينوبو فوداموتو، إن النتائج تمثل نقطة تحول مهمة في أبحاث الكون المبكر، لأنها لا توفر بيانات جديدة فحسب، بل تمنح العلماء أيضاً القدرة على إعادة تحليل أرشيف ضخم من المشاهدات السابقة بمنظور أكثر دقة ووضوحاً.
وأضاف أن هذه التقنية الجديدة ستسمح بفهم أفضل لمراحل تشكل المجرات الأولى وكيفية تطورها خلال الحقبة التي أعقبت ولادة الكون مباشرة.
ويرى العلماء أن هذا الاكتشاف لا يتعلق بأربع مجرات فقط، بل يفتح الباب أمام دراسة آلاف المجرات البعيدة التي تعود إلى العصور الأولى للكون.
وقود كوني
فمع الكشف عن “الوقود الكوني المفقود” الذي غذّى ولادة النجوم الأولى، بات بإمكان الباحثين الاقتراب أكثر من الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة العلمية: كيف تحوّل الكون البدائي المظلم إلى عالم مليء بالمجرات والنجوم والكواكب؟
وبذلك يضيف هذا الإنجاز قطعة جديدة ومهمة إلى أحجية التاريخ الكوني، ويقرب البشرية خطوة إضافية من فهم قصة نشأة الكون منذ لحظاته الأولى.




