هجرة معاكسة في مصر.. القاهرة تتحول لمحافظة طاردة وسيناء جاذبة للعائدين
هجرة معاكسة في مصر.. القاهرة تتحول لمحافظة طاردة وسيناء جاذبة للعائدين
تُظهر بيانات إحصائية حديثة أن القاهرة والإسكندرية لم تعد الوجهة الأولى لـ الهجرة الداخلية كما كانت لعقود طويلة، إذ صعدت محافظات ومدن أخرى كوجهات أكثر جذبًا للسكان الباحثين عن فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، مثل شرم الشيخ والغردقة اللتين أصبحتا تستقطبان أعدادًا متزايدة من الوافدين.
وتكشف بيانات المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن البحر الأحمر تصدر المحافظات الأكثر جذبًا للسكان بنسبة 7.56%، تلتها جنوب سيناء بنسبة 4.67%، مستفيدة من النشاط السياحي والاستثماري المتنامي، كما برزت الجيزة والقليوبية كمناطق جذب بديلة في محيط القاهرة الكبرى.
بينما تحولت القاهرة والإسكندرية إلى محافظات طاردة نسبيًا للسكان بجانب السويس وبورسعيد ودمياط، رغم ما تمتلكه من قواعد اقتصادية وصناعية مهمة، حسب “المركز المصري” في تقرير له، إذ يرى أن هذه المفارقة تكشف عن اختلال في توزيع ثمار التنمية، حيث لا يؤدي النشاط الاقتصادي بالضرورة إلى جذب سكاني مستدام أو تحسين جودة الحياة بالقدر الكافي للاحتفاظ بالسكان.
إلى أين الهجرة الداخلية؟
المركز المصري للدراسات الاقتصادية يكشف أن عدد المهاجرين داخليًا ارتفع من 4.8 مليون شخص في تعداد 2006 إلى 8.3 مليون في آخر تعداد سكاني، بما يعادل نحو 8% من إجمالي السكان، مع ترجيحات بأن تكون النسبة الفعلية أعلى بسبب أنماط الهجرة غير الرسمية والموسمية التي لا ترصدها الإحصاءات.
ورغم أن 63% من الهجرة الداخلية تتجه إلى المناطق الحضرية، فإن أغلب التحركات السكانية تتم لمسافات قصيرة داخل المحافظات نفسها، حسب “المصري للدراسات الاقتصادية”، للحفاظ على شبكاتهم الاجتماعية والعائلية بالتوازي مع البحث عن فرص اقتصادية أو خدمية أفضل.
ماذا يجني المهاجرون من الهجرة؟
كما تكشف بيانات “المصري للدراسات الاقتصادية” عن علاقة بين الهجرة ومستوى الرفاهية، إذ الهجرة من الريف إلى الحضر ترتبط بانخفاض الرفاهية بنحو 2.4%، بينما ترتفع مستويات الرفاهية بنسبة 3.7% في حالات الانتقال بين المدن، وتتحسن بنحو 2.9% عند الانتقال من الحضر إلى الريف.
وتبرز النساء باعتبارهن الأكثر استفادة من الهجرة الداخلية، إذ تحقق لهن مكاسب رفاهية تقدر بنحو 3.25% مقابل 2.25% للرجال، حسب “المركز المصري”، ما يشير إلى أن الهجرة أصبحت في كثير من الحالات وسيلة للتمكين الاقتصادي للمرأة وليس مجرد انتقال جغرافي أو اجتماعي.
وعلى مستوى سوق العمل، تظهر البيانات أن معدل البطالة بين المهاجرين يبلغ 6.2% مقارنة بنحو 9.5% لغير المهاجرين، فيما يتراجع المعدل إلى 2.6% فقط عندما يكون البحث عن فرصة عمل هو الدافع الأساسي للانتقال، وفق بيانات “المصري للدراسات الاقتصادية”.
تحديات الهجرة الداخلية
حسب المركز المصري للدراسات الاقتصادية، تفرض التحركات السكانيىة تحديات عمرانية واقتصادية متزايدة، إذ تفقد مصر سنويًا نحو 75 ألف فدان من الأراضي الزراعية، بما يعادل نحو 30 ألف هكتار، بينما يؤدي فقدان كل 250 فدانًا إلى خسارة ما يقرب من 400 فرصة عمل.
ويشير المركز المصري للدراسات الاقتصادية إلى أن الهجرة الداخلية لم تعد تمثل وسيلة لتراكم الثروة أو تحسين الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير، بل أصبحت أقرب إلى “هجرة بقاء” تستهدف تأمين الاحتياجات الأساسية المتعلقة بالسكن والعمل والتعليم والخدمات الصحية. كما أن المدن الجديدة لم تنجح حتى الآن في تغيير أنماط الحركة السكانية بصورة جذرية، إذ لا يزال كثير من المصريين يفضلون الانتقال إلى بيئات مألوفة وأسواق عمل قائمة بدلًا من الانتقال إلى مجتمعات عمرانية ناشئة بالكامل.
وأوصى المركز المصري للدراسات الاقتصادية بتوجيه مزيد من الاستثمارات نحو تحسين البنية التحتية والخدمات في المحافظات الطاردة للسكان بدلًا من التركيز الحصري على التوسع العمراني، إلى جانب التوسع في مبادرات التشغيل المحلي مثل “وظيفتك جنب بيتك” بهدف ربط السكان بفرص العمل داخل مجتمعاتهم وتقليل دوافع الهجرة القسرية.



