من يبني مهنة القيادة المدرسية في السعودية؟
أ.د. أحمد بن محمد الزائدي
تشهد القيادة المدرسية في السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا مهنيًا عميقًا أعاد تعريف أدوارها وحدود مسؤولياتها ومتطلبات ممارستها. فمع التوجه نحو تمكين المدرسة وتعزيز دورها في تجويد نواتج التعلم وقيادة التحسين المستمر، انتقلت القيادة المدرسية من الانشغال بإدارة العمليات اليومية إلى قيادة التعلم، وتحسين الأداء المدرسي، وبناء الثقافة المؤسسية الداعمة للتطوير المستدام. وفي الوقت الذي أصبحت فيه جدارات القائد المدرسي أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، ما تزال الكيفية التي تُبنى بها هذه الكفايات المهنية وتُحول إلى ممارسة مستدامة محل بحث ونقاش.
وفي هذا السياق أسهمت هيئة تقويم التعليم والتدريب من خلال المعايير المهنية للقيادة المدرسية، ومعايير التقويم المدرسي، والتوجه نحو الرخصة المهنية، في بناء مرجعية وطنية أكثر وضوحًا لجدارات القيادة المدرسية ومتطلبات ممارستها. ونتيجة لذلك أصبح بالإمكان تحديد الجدارات التي ينبغي أن يمتلكها القائد المدرسي، والحكم على أثر ممارسته المهنية، والتحقق من كفايته لممارسة الدور القيادي.
غير أن نجاح مشروع التمهين في تعريف المهنة لا يعني بالضرورة حسم كيفية إعداد القيادات المدرسية القادرة على تجسيد تلك الجدارات في الواقع العملي. فإذا كانت المرجعية الوطنية قد أجابت بدرجة كبيرة عن سؤال: ما الجدارات التي ينبغي أن يمتلكها القائد المدرسي؟ فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتعلق بالجهة التي تتولى تنمية هذه الجدارات وتحويلها إلى ممارسة مهنية مستدامة.
وهنا تحديدًا يظهر الخلط بين بناء المهنة ونشر التدريب.
وقد اكتسب هذا التساؤل أهمية خاصة مع البرنامج الذي نفذه المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي بالشراكة مع كلية لندن الجامعية (UCL)، لأنه جعل هذا التساؤل ينتقل من نطاق الجدل النظري إلى ميدان التطبيق العملي. فلم يعد النقاش مرتبطًا بقيمة الخبرة العالمية أو أهمية الاستفادة منها، بل بمدى قدرة نماذج نقل الخبرة التدريبية على بناء مهنة تتجه نحو مزيد من التمهين والتخصص. وينصرف النقاش هنا إلى النموذج المستخدم في إعداد القيادات المدرسية، لا إلى المؤسسة الأكاديمية الشريكة أو قيمة الخبرة المنقولة.
وتتضح هذه المعضلة بصورة أكبر في النماذج القائمة على تدريب المدربين. فهذا النموذج يؤدي وظيفة مهمة تتمثل في توسيع نطاق الوصول إلى المعرفة المهنية خلال فترة زمنية قصيرة، لكنه يؤدي وظيفة مختلفة جوهريًا عن وظيفة إعداد القيادات المهنية. فالتدريب ينشر المعرفة، أما الكفايات المهنية فتتشكل عبر الإعداد المنهجي، والممارسة الممتدة، والتغذية الراجعة، والتأمل المهني، والتعلم المتراكم المرتبط بواقع العمل. ولذلك لا يكفي نجاح هذا النموذج في نشر المعرفة للحكم على نجاحه في تطوير القدرات القيادية المطلوبة.
بل إن الخلط بين الوظيفتين قد يقود إلى وهم مهني مفاده أن توسيع نطاق التدريب يعادل بناء المهنة، في حين أن المهن تُبنى بالتراكم المهني الذي تصنعه مؤسسات الإعداد والبحث والممارسة.
وتزداد هذه المعضلة عمقًا عندما يتعلق الأمر بالفلسفات القيادية المعاصرة التي تقوم على قيادة التعلم، وتحسين الأداء المؤسسي، وإدارة التغيير. فهذه الفلسفات لا تنتقل بالعمق نفسه عبر سلاسل متتابعة من النقل وإعادة النقل، وكلما تعددت حلقات الوساطة بين مصدر المعرفة والممارس النهائي ازدادت احتمالات اختزال المفاهيم وتحويلها من فلسفة مهنية متكاملة إلى محتوى تدريبي مبسط.
غير أن التحدي لا يقتصر على تعدد حلقات النقل، بل يمتد إلى اختلاف البيئات التعليمية. فالقيادة المدرسية في السياق البريطاني تشكلت داخل منظومة تختلف في الحوكمة والاستقلالية والمسارات المهنية وأنظمة المساءلة والتقييم. ولهذا فإن نقل النموذج لا يعني بالضرورة انتقال العوامل التي أسهمت في فاعليته. وتكمن القيمة الحقيقية للخبرات العالمية في قدرتها على إثراء النموذج المحلي وتوسيعه، لا في استنساخ حلول صُممت لواقع مختلف.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الشراكات الدولية أو مؤسسات التطوير المهني، فهذه المكونات تظل جزءًا مهمًا من أي منظومة مهنية متقدمة، لكن أثرها يتعاظم عندما تعمل داخل إطار وطني متكامل لبناء المهنة لا بديلًا عنه.
وإذا كانت المهنة تُبنى عبر الإعداد المنهجي والبحث العلمي والممارسة المهنية المنظمة، فإن الجامعات السعودية وكليات التربية وأقسام القيادة التربوية تمثل الحاضنة المؤسسية الأقدر على قيادة هذا المشروع، بحكم دورها التاريخي في إعداد المهن وتطويرها. فهذه المؤسسات لا تقتصر وظيفتها على تقديم البرامج الأكاديمية، بل تضطلع بمسؤولية إعداد الكوادر المهنية وإجراء البحوث التطبيقية وتطوير المعرفة المتصلة بالممارسة القيادية.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل ما تمتلكه السعودية من رأس مال فكري وخبرات علمية متخصصة في القيادة التربوية. فالجامعات السعودية تضم عشرات البرامج الأكاديمية ومئات المتخصصين الذين تلقى كثير منهم تأهيلهم العلمي في الجامعات العالمية التي تُستقى منها الخبرات اليوم. ولذلك لا يبدو جوهر النقاش مرتبطًا بندرة الخبرة أو غياب المعرفة، بقدر ارتباطه بقدرة المنظومة على توظيف هذه الموارد في بناء مسار وطني مستدام لإعداد القيادات المدرسية وتطويرها.
ولم يعد النقاش في القيادة المدرسية يدور حول تحديد الجدارات المطلوبة أو قياسها أو التحقق من كفاية ممارسيها. فقد أصبحت هذه الجوانب أكثر وضوحًا ونضجًا من أي وقت مضى. بل أصبح السؤال الجوهري يتعلق بالمنظومة القادرة على إعداد القيادات المدرسية وتطويرها بصورة مستدامة.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين نشر التدريب وبناء المهنة؛ فالأول يوسع نطاق المعرفة، أما الثاني فيبني القدرة الوطنية على إعداد القادة الذين يحتاجهم التعليم في كل مرحلة من مراحل تحوله. وفي السعودية، بما تمتلكه من منظومة متقدمة في التعليم والتقويم والاعتماد، ومن جامعات وخبرات أكاديمية ومهنية متراكمة، يصعب النظر إلى بناء مهنة القيادة المدرسية باعتبارها مهمة تدريبية بحتة. فالرهان الحقيقي يتعلق ببناء قدرة وطنية مستدامة على إعداد القيادات وتطويرها وضمان استدامة المهنة. وهل يمكن لمهنة يُراد لها أن تقود مستقبل التعليم أن تعتمد في بنائها على نقل الخبرة أكثر من اعتمادها على القدرة الوطنية على إنتاجها؟
• أستاذ القيادة التربوية
• المدير العام للتعليم بمنطقة مكة سابقًا# تمهين _القيادة المدرسية

