التضخم في أوروبا: أزمة الطاقة وتأثيرها الاقتصادي
بعدما اعتقدت أوروبا أنها تجاوزت أسوأ مراحل موجة التضخّم التي أعقبت جائحة كورونا والحرب الروسية – الأوكرانية، عادت أسعار الطاقة لتفرض نفسها مجدداً كأحد أبرز المخاطر الاقتصادية خلال عام 2026، مهددة بإحياء الضغوط التضخمية وواضعة البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة معقدة تجمع بين مكافحة ارتفاع الأسعار والحفاظ على النمو الاقتصادي.فاستمرار الأزمة الأميركية – الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة، والتوترات التي طاولت إمدادات النفط والغاز العالمية، أديا إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل ملحوظ، ما انعكس مباشرة على معدلات التضخم في منطقة اليورو. وأظهرت بيانات البنك المركزي الأوروبي أن التضخم السنوي في المنطقة بلغ 3.2% في أيار/مايو، بعدما كان 3% في نيسان/أبريل، متجاوزاً هدف البنك البالغ 2%. ويُعد ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10.9% على أساس سنوي المحرك الرئيسي لهذه الزيادة، إلى جانب ارتفاع تضخم الخدمات إلى 3.5%. عادت أسعار المواد الغذائية إلى الواجهة مجدداً بسبب ازمة الطاقة العالمية (أ ف ب) وتتفاوت معدلات التضخم بين الاقتصادات الأوروبية. ففي ألمانيا، أكبر اقتصاد في القارة، تراجع التضخم إلى 2.7% في أيار/مايو مقارنة بـ2.9% في الشهر السابق، بينما تجاوز 5% في كل من اليونان وليتوانيا. أما فرنسا فسجلت ارتفاعاً من 2.5% إلى 2.8% خلال الفترة نفسها.ووفق البيانات الأولية الصادرة عن “يوروستات”، بلغ التضخم 3.3% في إيطاليا، و3.6% في إسبانيا، و3.4% في هولندا، ما يؤكد استمرار الأسعار فوق المستوى المستهدف من قبل البنك المركزي الأوروبي.
الطاقة في صلب الأزمة
يؤكد البنك المركزي الأوروبي، أن الموجة الجديدة من الضغوط التضخمية ترتبط بصورة أساسية بارتفاع أسعار الطاقة الناتج من اضطرابات أسواق النفط والغاز العالمية. كما حذّرت وكالة الطاقة الدولية من تراجع المخزونات النفطية العالمية بوتيرة متسارعة قد تؤدي إلى مزيد من الضغوط على الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.وتشير تقديرات الوكالة إلى احتمال انخفاض الإمدادات العالمية من النفط بنحو 3.9 ملايين برميل يومياً خلال عام 2026 مقارنة بالتوقعات السابقة، نتيجة اضطرابات الإنتاج والنقل في منطقة الخليج.ويرى الدكتور جلال قناص، أستاذ الاقتصاد في جامعة قطر، أن انعكاسات هذه التطورات لن تقتصر على معدلات التضخم فحسب، بل ستمتد إلى الأسواق المالية والقطاع الإنتاجي الأوروبي. ويقول إن البنك المركزي الأوروبي قد يجد نفسه مضطراً إلى مواصلة التشديد النقدي ورفع أسعار الفائدة، ما يرفع عوائد السندات ويزيد كلفة الاقتراض في وقت يعاني فيه اقتصاد منطقة اليورو أساساً من تباطؤ النمو وضعف الإنتاجية.ويضيف أن القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة ستكون من بين الأكثر تضرراً، نظراً إلى صعوبة تمرير كامل الزيادات في التكاليف إلى المستهلك النهائي، الأمر الذي يضغط على هوامش الأرباح ويؤثر في القدرة التنافسية للشركات الأوروبية. رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقر البنك (أ ف ب)
معضلة الفائدة والقدرة الشرائية
وتزداد الضغوط على الأسر مع احتمال لجوء البنك المركزي الأوروبي، إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً. فبحسب قناص، ستكون القروض السكنية أول المتأثرين بهذه السياسة، ولاسيما في الدول التي تعتمد بشكل واسع على الرهون العقارية ذات الفائدة المتغيرة، مثل إسبانيا وإيطاليا والبرتغال، حيث سترتفع الأقساط الشهرية مباشرة مع أي زيادة جديدة في الفائدة.أما القروض الاستهلاكية، وبطاقات الائتمان، فستشهد بدورها ارتفاعاً في كلفة التمويل، ما سيدفع العديد من الأسر إلى تأجيل قرارات الشراء الكبرى، كاقتناء السيارات أو تجديد المنازل أو شراء الأجهزة المنزلية.ويصف قناص الوضع الحالي بأنه “ضغط مزدوج” تتعرض له الأسر الأوروبية؛ فمن جهة يواصل التضخم تقليص القيمة الفعلية للأجور، ومن جهة أخرى ترتفع كلفة خدمة الديون نتيجة زيادة الفائدة، ما يؤدي إلى انكماش الدخل المتاح للإنفاق ويحد من الاستهلاك.
خطر الركود التضخمي
وتضع هذه المعطيات البنك المركزي الأوروبي أمام تحدٍ بالغ الصعوبة. فمن جهة، يتطلب ارتفاع التضخم تشديد السياسة النقدية، ومن جهة أخرى تتراجع مؤشرات النمو الاقتصادي بصورة مقلقة.وفي هذا السياق، برزت مخاوف متزايدة من دخول الاقتصاد الأوروبي مرحلة “الركود التضخمي”، أي تزامن ارتفاع الأسعار مع ضعف النمو الاقتصادي. فقد أظهرت بيانات حديثة انكماش اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.2% خلال الربع الأول من عام 2026، فيما يتوقع عدد من الاقتصاديين أن يبقى النمو دون 1% إذا استمرت أزمة الطاقة الحالية.ويرى قناص، أن المفارقة الأساسية تكمن في أن التضخم الحالي ناجم بدرجة كبيرة عن “صدمة عرض” مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، وليس عن طلب استهلاكي مفرط. لذلك فإن رفع أسعار الفائدة قد يساهم في إبطاء الطلب والإنفاق، لكنه لا يقدم حلاً مباشراً لخفض أسعار الطاقة المستوردة، ما يعني أن كلفة مكافحة التضخم قد تأتي على حساب النمو الاقتصادي.في المحصلة، وبعد أشهر من التفاؤل بقرب انتهاء معركة التضخم، تجد أوروبا نفسها مجدداً أمام العامل نفسه الذي أشعل الأزمة قبل سنوات: الطاقة. وبين ارتفاع أسعار النفط والغاز، وضغوط التضخم، واحتمالات الركود، تبدو القارة الأوروبية أمام اختبار اقتصادي جديد قد يحدد مسار سياساتها النقدية والمالية خلال المرحلة المقبلة.

