وزير التعليم العالي اليمني لـ«عكاظ»: الشراكة مع السعودية طوق نجاة
ثمّن وزير التعليم العالي والبحث العلمي اليمني الدكتور أمين نعمان القدسي، المواقف الأخوية الصادقة والدعم السخي اللامحدود الذي تقدمه السعودية قيادةً وحكومةً وشعباً لليمن، مؤكداً أن الودائع والمنح الاقتصادية السعودية مثّلت طوق نجاة حقيقي لمنع الانهيار الشامل، وأسهمت في انتظام رواتب الأكاديميين وصرف مستحقات الطلاب المبتعثين.وفي حوار مطول مع «عكاظ»، أشاد الوزير القدسي بالبصمات التنموية الجبارة والمشاريع الإستراتيجية لـ«البرنامج السعودي» في ترميم وتجهيز الصروح التعليمية ورفدها بأحدث المختبرات العلمية، مشدداً على أن الوزارة تسابق الزمن لتجاوز عقبات الركود المعرفي والتكنولوجي عبر خطة شاملة للأتمتة والرقمنة، بما يكفل تمكين العقول والكوادر اليمنية من استعادة ريادتها وحجز مقاعدها المستحقة على خارطة المنافسة التنافسية الإقليمية والعربية.. وإلى نص الحوار: • كيف تقيّمون الدور السعودي وانعكاساته على رواتب الأكاديميين والمبتعثين؟•• لا شك أن الدعم الاقتصادي المقدم من أشقائنا في السعودية كان له دور بارز في استقرار قيمة الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، وهذا أسهم بشكل كبير في استقرار أسواق السلع الأساسية، وأسهم أيضاً في الانتظام النسبي لصرف مرتبات الموظفين في الجهاز الإداري للدولة بشكل عام، بمن فيهم منتسبو مؤسسات التعليم العالي من أكاديميين وإداريين، وهذا الأمر كان له تأثير إيجابي ملموس على أدائهم لمهماتهم وعلى استقرار العملية التعليمية.كما أسهم الدعم الاقتصادي السعودي لليمن في صرف مستحقات الربع الأول والثاني لعام 2025 للطلبة المبتعثين في الخارج، ونأمل أن يتكرر تدخل أشقائنا بشكل مباشر في هذا الملف كما حدث في عام 2021، حيث تكفلت المملكة حينها بدفع المساعدة المالية والرسوم الدراسية للطلبة المبتعثين لمدة عام كامل بمبلغ 50 مليون دولار.ونعبِّر عن الامتنان والتقدير العالي للدور الكبير والريادي الذي تقوم به السعودية في إعادة الإعمار والتنمية في بلادنا في مختلف المجالات، وفي مجال التعليم العالي بشكل خاص.ونتطلَّع لزيادة دعم قطاع التعليم وخلق شراكة حقيقية وفاعلة بين مؤسسات التعليم العالي في البلدين لكي نتمكن من تجاوز الصعوبات ومواكبة التطورات المتسارعة في هذا المجال، كما نتطلع لدعم البحث العلمي من خلال إنشاء مراكز أبحاث مشتركة في مختلف المجالات العلمية.• كيف تصفون التعاون الحالي بينكم وبين وزارة التعليم السعودية وآفاق التبادل الأكاديمي؟•• الحقيقة السعودية تمثِّل عمقاً إستراتيجياً لليمن، والعكس أيضاً صحيح، وهذا الأمر يتطلب العمل الدؤوب لتعميق التعاون بين البلدين في مختلف المجالات وتوسيع نطاق المصالح المشتركة كمقدمة ضرورية لتحقيق الشراكة الإستراتيجية بين البلدين.والتعاون مع وزارة التعليم السعودية يأخذ عدة أوجه متعددة ويشمل التعليم العام (ما قبل الجامعي) من خلال إتاحة الفرصة لأبناء اليمنيين المقيمين في السعودية الالتحاق بالمدارس في مختلف المراحل.أما بالنسبة لمنح التبادل الثقافي التي تقدمها المملكة لبلادنا؛ وفقاً لمذكرة التفاهم بين البلدين، فهي تبلغ 300 منحة سنوياً تشمل مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه).ونسعى حالياً لتوسيع مجالات التعاون بين الجامعات اليمنية والسعودية لتشمل تبادل زيارات الأكاديميين، ودعم وتشجيع القيام بأبحاث مشتركة، وتنظيم مؤتمرات علمية مشتركة في البلدين، وعمل توأمة حقيقية بين الجامعات السعودية واليمنية.• ماذا عن دعم البرنامج السعودي لقطاع التعليم وأثره؟•• الدعم الذي يقدمه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ينطلق من قناعة راسخة بأهمية الدور الحيوي للتعليم في تعزيز رأس المال البشري ودفع عجلة التنمية الشاملة، حيث يعمل البرنامج على إيجاد بيئة تعليمية مناسبة لإعداد وتأهيل كوادر في مختلف المجالات قادرة على القيام بمهمات إعادة الإعمار بكفاءة عالية.من هذا المنطلق، شملت مشاريع البرنامج السعودي مراحل التعليم العام، والتعليم الفني والمهني، والتعليم العالي، وتمثلت في بناء أو إعادة تأهيل وتجهيز العديد من المدارس ومعاهد التعليم الفني والتدريب المهني والكليات في مختلف المحافظات اليمنية المحررة.ومن المشاريع التي نفذها البرنامج السعودي في مجال التعليم العالي، تجهيز معامل كلية الصيدلة في جامعة عدن، إنشاء وتجهيز مختبر البحث الجنائي في الجامعة نفسها، استكمال إنشاء وتجهيز كليات الطب والصيدلة والتمريض والمستشفى الجامعي في جامعة تعز، إنشاء عدة مبانٍ تضم قاعات دراسية ومكاتب إدارية وتأثيث مباني الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في جامعة إقليم سبأ بمأرب، إنشاء كلية التربية في سقطرى وتغطية النفقات التشغيلية لجامعة أرخبيل سقطرى للحفاظ على استمرار العملية التعليمية في الجامعة، إنشاء وتجهيز مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية في المهرة، تقديم دعم متعدد الأوجه لكلية الزراعة في جامعة لحج، فضلاً عن تغطية المستحقات المالية والرسوم الدراسية للطلبة اليمنيين المبتعثين للدراسة في الخارج.أما الدور المستقبلي الذي نأمل أن يضطلع به البرنامج، فيتمثل في دعم عملية التحول الرقمي لمؤسسات التعليم العالي والربط الشبكي فيما بينها، وتجهيز وبناء قدرات مجلس الاعتماد الأكاديمي، والحفاظ على جودة التعليم العالي لنتمكن من إصلاح وتطوير قطاع التعليم العالي وتحسين جودة مخرجاته وربطها باحتياجات سوق العمل.• ما سبب تأخركم عن أداء اليمين الدستورية في الرياض؟•• لقد أديت اليمين في السفارة اليمنية بالرياض، لكن هذا التأخير لم يكن بأي حالٍ من الأحوال موقفاً سلبياً من السعودية الشقيقة كما حاول البعض تأويله تعسفاً، ولكنه نابع من قناعتي بأن أداء الحكومة اليمين الدستورية في العاصمة عدن يؤكد نجاح الجهود الكبيرة التي بذلتها السعودية في تلك الفترة بطلب من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ويبعث بعدة رسائل للداخل والخارج كانت حينها في غاية الأهمية، تؤكد استقرار الأوضاع في العاصمة المؤقتة وتؤكد جدية الحكومة الجديدة في العمل من الداخل وإصرارها على تجاوز معوقات المرحلة السابقة وإصلاح الاختلالات الكبيرة المتراكمة في أجهزة الدولة.بالنسبة للعلاقات اليمنية – السعودية، أنا على قناعة تامة بأن الارتباط بين البلدين والشعبين الشقيقين أمر حتمي تفرضه الجغرافيا والتاريخ، وخير شاهد على ذلك الأحداث التي تمر بها المنطقة والتي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك عمق الارتباط المصيري بين البلدين، لأن كلاً منهما يمثل عمقاً إستراتيجياً للآخر وعنصراً رئيسياً في معادلة الأمن القومي والاستقرار الإقليمي.• ما الأولوية القصوى التي وضعتها وزارتكم على طاولت الحكومة؟•• لا أخفيك، الأولوية القصوى عندي كانت وما زالت تتمثل في صياغة مشروع إنقاذي عاجل لإصلاح وتطوير منظومة التعليم العالي في اليمن من خلال مسارات واضحة؛ أولها: تحسين الأوضاع المعيشية لكافة منتسبي الجامعات، وثانيها: إعادة الروح للعمل المؤسسي للجامعات عبر تفعيل المجالس الأكاديمية.كما نضع تطبيق معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي على البرامج التي تقدمها الجامعات والكليات والمعاهد على رأس أولوياتنا، بالتوازي مع حل مشكلة المستحقات المالية للطلبة المبتعثين المتأخرة منذ أكثر من عام، وتقييم وتحديث نظام الابتعاث.• كيف تقيّمون واقع التعليم في اليمن ومخرجاته في ظل ما يتعرض له الشباب من حروب عقائدية وفكرية وإرهابية؟•• التعليم، بشكل عام في اليمن، يعاني من تدهور حاد في مختلف الجوانب بسبب الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي للمدرسين وأساتذة الجامعات، وغيرها من العوامل التي تسببت في العزوف عن الالتحاق بالتعليم بمختلف المراحل وزيادة معدل التسرب بين الملتحقين في مراحل التعليم العام والمتوسط والعالي.لكن التحدي الأكثر خطورة هو المرتبط بأدلجة التعليم من خلال إضفاء توجه فكري معين أو صبغة مذهبية على المناهج الدراسية، والذي ظهر بوضوح كبير بعد انقلاب الحوثي من خلال إدخال تعديلات على المناهج الدراسية في مراحل التعليم الأساسي والثانوي واستحداث مواد جديدة تخدم أجندتها الفكرية والمذهبية، في إطار سعيها المحموم لعزل المجتمع اليمني عن محيطه العربي وتجريف الهوية اليمنية الجامعة وخلق ثقافة جديدة ترتكز أساساً على خرافة وولاية الفقيه.كما أن الأوضاع المعيشية الصعبة والضغوط النفسية الكبيرة التي خلفتها الحرب خلال السنوات الماضية أوجدت بيئة مناسبة لنشاط الجماعات المتطرفة في أوساط الشباب العاطل المحبط واستقطابهم لصفوفها.هذه التحديات وغيرها تتطلب تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية للتعامل معها بجدية في إطار منظومة متكاملة من المعالجات القائمة على أسس علمية للسيطرة عليها والخروج بأقل الخسائر قبل أن تستفحل وتتحول إلى قنابل موقوتة في طريق إعادة بناء الدولة اليمنية المنشودة واستقرارها.• أين يقف التعليم العالي اليوم على خارطة المنافسة الإقليمية؟•• بكل أسف، التعليم العالي مثقل بالكثير من التحديات، وتعرّض لخسائر كبيرة جداً يمكن إيجاز أهمها في تدمير ونهب البنية التحتية للكثير من الجامعات ومراكز البحوث، تحويل بعض الكليات والجامعات إلى ثكنات عسكرية، الاعتقال والملاحقات الأمنية لبعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، تراجع حاد في الاهتمام بقطاع التعليم العالي، شح الإمكانيات المخصصة للتعليم العالي إن لم نقل غيابها، تدهور حاد جداً في الأوضاع المعيشية لأعضاء هيئة التدريس والباحثين في الجامعات ومراكز البحوث؛ بسبب تدني مستوى دخلهم من متوسط 1200 دولار تقريباً قبل الحرب إلى نحو 150 – 200 دولار في الوقت الحالي وعدم انتظام صرف المرتبات، التسارع الكبير في وتيرة هجرة الأكاديميين من الجامعات اليمنية إلى الخارج ولجوء عدد غير قليل من الأكاديميين لمزاولة أعمال أخرى غير مرتبطة بمجالهم تحت ضغط الحاجة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة لهم ولأسرهم، غياب أي مخصصات مالية للبحث العلمي، ضعف كفاءة المدخلات وتدني جودة المخرجات، والعشوائية في استحداث برامج أكاديمية وكليات ومراكز في الجامعات الحكومية، التساهل الكبير في منح تراخيص لإنشاء جامعات أهلية جديدة دون التقيد بالشروط القانونية ومعايير الاعتماد الأكاديمي، عدم مواءمة البرامج الأكاديمية مع سوق العمل، وضعف الرقابة؛ كل هذه لا تمكن التعليم العالي في بلادنا من الدخول في منافسة إقليمية متكافئة في الوقت الحالي.• هل لديكم خطة لتجاوز هذه معضلة البحث العلمي؟•• لا أخفيك في بلادنا يكاد يكون البحث العلمي غائباً تماماً عن خارطة الاهتمامات باستثناء الأبحاث العلمية التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس في الجامعات؛ بهدف الحصول على ترقيات علمية، والسبب في ذلك يرجع لعدم اعتماد مخصصات مالية مناسبة للبحث العلمي في الموازنة العامة للدولة بما فيها موازنات الجامعات، لكن تفعيل البحث العلمي وربطه بقضايا التنمية في بلادنا يتطلب وجود صندوق مستقل خاص بالبحث العلمي ودعم الابتكار، وهذا الموضوع حالياً قيد التداول والنقاش من قبل المختصين، ونسعى للاستفادة من خبرات وتجارب الكفاءات العلمية اليمنية في المهجر، كما سنعمل على توأمة الجامعات اليمنية مع بعض الجامعات في الدول الشقيقة والصديقة؛ وفي مقدمتها السعودية بهدف خلق شراكات علمية.• أين يقف التعليم العالي في اليمن من سباق الذكاء الإصطناعي؟•• نحن لا نزال خارج هذا السباق، لكن الرقمنة أو الأتمتة في إطار الوزارة والجامعات على قائمة أولوياتنا لإدراكنا بأهمية هذه العملية في تكوين قاعدة بيانات واسعة وربط الوزارة مع الجامعات ومراكز البحوث ببعضها. وفي الوقت الحالي نعمل على أتمتة عملية الابتعاث من خلال إنشاء نظام إلكتروني لإدارة عملية الابتعاث بالكامل وربط الملحقيات الثقافية مع الوزارة لمتابعة وتقييم أوضاع الطلبة المبتعثين أولاً بأول، كما نعمل حالياً أيضاً على تطوير أنظمة إلكترونية لخدمة الجمهور والتصديق على الوثائق.

