الجامعات العالمية.. مداخل لتوطين التقنية
في لحظة تتقاطع فيها الطموحات الوطنية مع التحولات العالمية المتسارعة، تجد السعودية نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة دور التعليم العالي لإيجاد قوة محركة كافية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية. وتتجلى هذه الفرصة في مشروع استقطاب الجامعات الأجنبية وافتتاح فروع لها داخل المملكة بوصفه خطوة إستراتيجية.ومع التسليم بأهمية هذه الخطوة في تطوير التعليم في السعودية، وسد الفجوات التي يواجهها سوق العمل، وقدرة هذه الجامعات على تقديم مخرجات تعليمية معاصرة تواكب الاحتياج الفعلي، إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يتحدد بمجرد وجود هذه الجامعات، بل بطبيعة ما ستقدمه ومدى انسجامه مع الأولويات والاحتياجات الفعلية.ومن باب الإنصاف نقول: إن الجامعات السعودية لعبت دورا كبيرا خلال الفترة الماضية، وحققت العديد من الإنجازات التي أهّلتها للحصول على مراتب متقدمة في التصنيف العالمي. كما استطاعت تخريج أعداد كبيرة من الخريجين الذين حصل كثيرون منهم على درجات عليا في العديد من المجالات، مثل إدارة الأعمال والمحاسبة والعلوم المالية، مما ساعدهم على شغل مناصب قيادية في العديد من المؤسسات الوطنية.لكن وبسبب المتغيرات التي يشهدها العالم اليوم، فإن المؤشرات تؤكد أن المستقبل الاقتصادي للمملكة يتشكّل في مجالات مختلفة تماما ترتبط بالثورة الصناعية الرابعة، وبالتحول الرقمي العميق الذي يشمل مختلف القطاعات. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مفهوم أكاديمي، بل أصبح أداة أساسية في الطب، والصناعة، والخدمات الحكومية، والقطاع المالي. كما بات الأمن السيبراني ركيزة لا يمكن الاستغناء عنها في ظل التوسع الكبير في البنية الرقمية، وفي ذات الوقت تمثل هندسة الحاسوب وعلوم البيانات العمود الفقري لاقتصاد رقمي يعتمد على التحليل والتنبؤ والابتكار.لذلك، فإن توفير برامج دراسية عصرية حديثة في هذه المجالات، إلى جانب الروبوتات والتقنيات الطبية المتقدمة، هو ما تحتاجه المملكة بشكل عاجل، لأنه يمثل الفجوة الحقيقية في منظومة التعليم العالي. ومن هنا، فإن الدور المنتظر من الجامعات الأجنبية يجب أن ينطلق من هذه النقطة تحديداً لسد الفجوات، لا تكرار الموجود.فالتركيز على التخصصات التقنية الحديثة ليس خيارا ثانويا أو مكمّلا، بل هو الأساس الذي تقوم عليه فروع الجامعات الأجنبية التي تمتلك خبرات طويلة في هذه المجالات، ولديها بنية تحتية بحثية متقدمة، كما أنها ترتبط بشبكات صناعية وعلمية رفيعة. وإذا ما تم توظيف هذه الإمكانات بشكل صحيح داخل المملكة، فإنها ستسهم في تسريع عملية توطين التقنية، وتحقيق الاستقلال المعرفي وفق ما نادت به رؤية السعودية 2030.ومن الضرورة التأكيد على أن النموذج العلمي الذي ستقدمه فروع هذه الجامعات في بلادنا، ينبغي أن يتطابق مع ما تقدمه في مقراتها الرئيسية، وألا يقتصر على تقديم المناهج الدراسية فقط، بحيث يتم إيجاد بيئة تعليمية متكاملة، تشمل المختبرات المتقدمة، والمشاريع التطبيقية، والتدريب العملي، والتفاعل المباشر مع الصناعة، وليس الاعتماد على المحاضرات النظرية فقط.ولا بد كذلك من اعتماد البحث العلمي كجزء أساسي من هذا المشروع، فالتقنية لا تُنقل فقط من قاعات المحاضرات، بل من خلال البحث والتطوير والابتكار. والجامعات الأجنبية قادرة على إنشاء مراكز بحثية متقدمة في العلوم الحديثة، وربط هذه المراكز باحتياجات السوق المحلي. فالمشاريع العملاقة التي يجري تنفيذها حاليا تعتمد بشكل مباشر على التقنيات المتقدمة، لذلك فإنها بحاجة ماسة إلى مهندسين متخصصين في هذه المجالات.من هنا، فإن على الجامعات الأجنبية التي تسعى للنجاح في المملكة أن تعيد النظر في استراتيجياتها، وأن تدرك أن السوق السعودية ليست سوقا تقليدية تبحث عن شهادات دولية، بل بيئة تخوض تحولا عميقا، وتبحث عن شراكات حقيقية تسهم في بناء المستقبل. وإذا أرادت هذه الجامعات أن تكون جزءًا من التحول الذي نشهده؛ فعليها أن تكون شريكا في صناعة المستقبل، وأن تتحول إلى مراكز حقيقية للإبداع والتطور والابتكار لتسهم في بناء اقتصاد سعودي حديث، قائم على المعرفة والتقنية، ومتصالح مع طموحاته الكبيرة.

