لغز أذرع «تي ريكس» الصغيرة يقترب من الحل

على مدار أكثر من قرن، أثارت الأذرع الصغيرة لديناصور التيرانوصور ريكس فضول العلماء والجمهور على حد سواء، وتحولت إلى واحدة من أكثر السمات غرابة وإثارة للجدل في عالم الديناصورات. 

وبين فرضيات تراوحت بين استخدامها للإمساك بالفريسة أو جذب الشريك أو اعتبارها أعضاء فقدت وظيفتها مع الزمن، جاءت دراسة علمية حديثة لتقدم تفسيرًا جديدًا قد يضع حدًا لهذا الجدل الطويل، من خلال ربط تقلص الأذرع بتطور سلاح أكثر فاعلية وقوة لدى هذه المفترسات العملاقة: الجمجمة.

اكتشاف نوع جديد من الديناصورات عمره 125 مليون سنة

يُعرف التيرانوصور ريكس، أحد أشهر الديناصورات اللاحمة التي عاشت على الأرض، بأذرعه الأمامية القصيرة بشكل لافت مقارنة بحجم جسمه الضخم، فعلى الرغم من أن طول الديناصور البالغ كان يتجاوز 12 مترًا، فإن طول ذراعيه لم يكن يتعدى نحو 90 سنتيمترًا، أي أقل من ثلث طول ساقيه، ما دفع العلماء إلى التساؤل طويلًا عن سبب هذا التناقض الواضح.

وخلال العقود الماضية، طُرحت العديد من النظريات لتفسير وظيفة هذه الأذرع، حيث افترض بعض الباحثين أنها كانت تُستخدم للإمساك بالفريسة أو تثبيتها، بينما رأى آخرون أنها لعبت دورًا في سلوكيات التزاوج وجذب الشريك. 

كما أشارت دراسات حديثة إلى أن صغر حجمها ربما ساعد في تقليل احتمالات تعرضها للعض أثناء التغذية العنيفة، في حين اعتبرها بعض العلماء أعضاءً متبقية فقدت معظم وظائفها مع مرور الزمن.

إلا أن دراسة حديثة نُشرت في مجلة “Proceedings of the Royal Society B” في 20 مايو، قدمت تفسيرًا جديدًا يعتمد على مفهوم “المقايضة التطورية”، وخلص الباحثون، بعد تحليل 85 نوعًا مختلفًا من الديناصورات، إلى أن تقلص الأذرع لم يكن حدثًا عشوائيًا، بل نتيجة مباشرة لتضخم عضو آخر أكثر أهمية في عملية الصيد، وهو الجمجمة.

وأوضح الباحث الرئيسي للدراسة، تشارلي روجر شيرر، طالب الدكتوراه في علوم الأرض بجامعة كوليدج لندن، أن الديناصورات التي امتلكت جماجم قوية وفعالة في الصيد كانت تميل إلى امتلاك أذرع أصغر حجمًا.

اقرأ أيضاً
أيسر تكشف رسمياً عن سلسلة الحواسيب الرائدة Swift Air 14 وAspire 18 وNitro 16

أيسر تكشف رسمياً عن سلسلة الحواسيب الرائدة Swift Air 14 وAspire 18 وNitro 16

 وأشار إلى أن الأمر لا يرتبط بحجم الحيوان نفسه، بل بدرجة اعتماد المفترس على رأسه كسلاح رئيسي للإطاحة بالفريسة.

وأضاف أن التطور البيولوجي لا يمنح جميع الصفات أفضلية متساوية في الوقت نفسه، بل يوجه الموارد والطاقة نحو الصفات الأكثر أهمية للبقاء، فإذا أصبحت الجمجمة والفك السلاح الأساسي في الصيد، تقل الحاجة تدريجيًا إلى الحفاظ على أذرع طويلة وقوية، ما يؤدي إلى تقليصها عبر الأجيال.

ورغم أن دراسات سابقة أشارت إلى وجود علاقة بين تضخم الجماجم وتقلص الأطراف الأمامية لدى بعض الديناصورات اللاحمة، فإن الدراسة الجديدة تعد الأولى التي توثق هذا النمط بشكل إحصائي عبر خمس مجموعات مختلفة من الديناصورات، ما يمنح الفرضية قوة علمية أكبر.

– كيف توصل العلماء إلى هذه النتيجة؟

اعتمد فريق البحث على قياس الأطراف الأمامية وعظام الجمجمة لدى 85 نوعًا من الديناصورات، مستندين إلى الأحافير والبيانات العلمية المنشورة سابقًا، كما طوروا أسلوبًا جديدًا لتقييم قوة الجماجم من خلال دراسة حجمها وطبيعة اتصال العظام وقوة العض.

وأظهرت النتائج أن التيرانوصور ريكس حصل على أعلى درجات القوة بين الجماجم التي جرى تحليلها، يليه ديناصور “تيرانوتيتان”، وهو مفترس ضخم عاش في أراضي الأرجنتين الحالية خلال العصر الطباشيري المبكر.

ولم يقتصر النمط على التيرانوصورات فقط، بل ظهر أيضًا لدى أربع مجموعات أخرى من الديناصورات اللاحمة ثنائية الحركة، وهي السيراتوصوريات والميغالوصوريات والأبيلوصوريات والكاركارو دونتوصوريات.

شاهد أيضاً
تسريبات تكشف التصميم النهائي لهاتف Samsung Galaxy Z Fold 8

تسريبات تكشف التصميم النهائي لهاتف Samsung Galaxy Z Fold 8

وعاشت هذه المجموعات في مناطق مختلفة من العالم على امتداد زمني يقارب 180 مليون سنة، بداية من العصر الترياسي وحتى نهاية العصر الطباشيري، قبل أن تنقرض معظم الديناصورات غير الطيرية إثر اصطدام كويكب ضخم بالأرض.

الرأس سلاح الصيد الأول
تشير نتائج الدراسة إلى أن تقلص الأذرع كان جزءًا من استراتيجية صيد متكررة تطورت لدى عدد كبير من المفترسات العملاقة، فمع ازدياد حجم الفرائس، احتاجت هذه الحيوانات إلى تطوير جماجم أقوى وفكوك أكثر قدرة على توجيه ضربات قاتلة.

وأوضح شيرر أن الهجوم كان يبدأ غالبًا من الأمام، لذلك كان الرأس أول جزء يصطدم بالفريسة، ما جعل الاعتماد على الفكوك القوية أكثر كفاءة من استخدام الأذرع والمخالب في الاشتباك المباشر.

كما كشفت الدراسة أن عملية تقليص الأذرع لم تكن متشابهة لدى جميع المجموعات؛ فبعض الديناصورات بدأت بتصغير أصابعها أولًا، بينما ركزت مجموعات أخرى على تقصير عظام الساعد، إلا أن النتيجة النهائية كانت متقاربة في جميع الحالات.

ورغم ذلك، يؤكد الباحثون أن الأذرع الصغيرة لم تكن عديمة الفائدة بالكامل، إذ من المرجح أنها استمرت في أداء وظائف معينة ساعدت على بقائها عبر ملايين السنين، وإن كانت طبيعة هذه الوظائف لا تزال مجهولة حتى الآن.

– ظاهرة أوسع مما كان يُعتقد

قد يهمك
إنتل تطلق عائلة معالجات Intel Arc G3 المخصصة لأجهزة الألعاب المحمولة

إنتل تطلق عائلة معالجات Intel Arc G3 المخصصة لأجهزة الألعاب المحمولة

ويرى ستيفان لاوتنشلاغر، أستاذ علم الأحياء القديمة والفقاريات بجامعة برمنغهام، أن أهمية الدراسة تكمن في إظهار أن ظاهرة صغر الأطراف الأمامية لم تكن مقتصرة على التيرانوصور ريكس وحده، بل كانت منتشرة بين العديد من الديناصورات اللاحمة.

وأوضح أن بناء الأعضاء الحيوية والحفاظ عليها يتطلبان استهلاك كميات كبيرة من الطاقة، ولذلك فإن تقليص حجم عضو أقل أهمية يسمح بتوجيه الموارد نحو أعضاء أخرى أكثر فاعلية، مثل الجمجمة والفك.

وأشار إلى أن الديناصورات العاشبة الكبيرة لم تتبع هذا المسار التطوري، إذ احتفظت بأذرع طويلة نسبيًا لأنها كانت ضرورية للإمساك بالنباتات أو للدفاع عن النفس ضد المفترسات.

من جانبه، وصف ستيف بروسات، أستاذ علم الحفريات والتطور بجامعة إدنبرة، التيرانوصور ريكس بأنه أشبه بـ”قرش بري عملاق”، يعتمد بصورة شبه كاملة على رأسه الهائل في تنفيذ مهام الصيد والافتراس.

وأضاف أن تتبع تطور التيرانوصورات يكشف بوضوح أن الجماجم أصبحت أكبر وأقوى مع مرور الوقت، في حين تقلصت الأذرع تدريجيًا، ما يعكس عملية مقايضة تطورية تولت خلالها الرؤوس وظائف كانت تؤديها الأذرع في السابق.

كما أكد الباحث أندريه رو من جامعة بريستول أن أبرز ما كشفت عنه الدراسة هو مدى انتشار ظاهرة الأذرع الصغيرة بين الديناصورات اللاحمة، مشيرًا إلى أن بعض المجموعات، مثل الأبيلوصوريات، امتلكت أطرافًا أمامية أكثر تقلصًا من تلك التي اشتهر بها التيرانوصور ريكس نفسه.

واختتم بالتأكيد على أن الدراسة تبرز حجم التنوع والابتكار التطوري لدى الديناصورات، إذ طورت سلالات مختلفة حلولًا متعددة للتحديات البيئية نفسها، وهو ما يجعل تاريخ هذه الكائنات مصدرًا دائمًا للإثارة والاكتشاف بالنسبة للعلماء والجمهور على حد سواء.

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد