انتبهوا لعملية العبور… مخافة أن يمتد إليها ارتباك حكومة “العيد الأغلى الكبير”!
الخط : A- A+تفصلنا أسبوعان فقط عن الانطلاق الرسمي لعملية “مرحبا” لعبور أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، المقررة يوم 15 يونيو، والتي تستمر إلى غاية 15 شتنبر من كل عام، باعتبارها واحدة من أكبر عمليات التنقل الموسمي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. وتهدف هذه العملية، وفق الخطاب الرسمي، إلى تأمين عودة سلسة وآمنة لملايين المغاربة المقيمين بالخارج، عبر تعبئة لوجستية وأمنية مشتركة بين المغرب وإسبانيا.عروس الشمال المغربي احتضنت في السادس من ماي الجاري، اجتماعا للجنة المشتركة المغربية-الإسبانية برئاسة وزارتي الداخلية في البلدين، حيث تم الاتفاق على وضع بروتوكولات خاصة بالانسيابية والسلامة والأمن والتواصل… حيث أشارت توقعات الجهات المختصة في المغرب وإسبانيا إلى ترقب تسجيل أرقام قياسية جديدة خلال موسم “مرحبا 2026”، قد تتجاوز 3.5 ملايين مسافر وحوالي 800 ألف مركبة، بزيادة قد تناهز 3 في المائة مقارنة بالموسم الماضي. ولمواجهة هذه التدفقات، تم الإعلان عن تعبئة أكثر من 31 ألفا و500 مهني على ضفتي مضيق جبل طارق.غير أن الأرقام الضخمة والخطط التنظيمية المعلنة لا تخفي حقيقة تتكرر كل صيف تتجلى في معاناة الجالية المغربية أثناء رحلة العبور، في ظل اختلالات بنيوية ما تزال تؤرق المسافرين، وتحول “عملية مرحبا” من مناسبة للقاء الوطن إلى موسم سنوي للقلق والاستنزاف.فخلال الموسم الماضي، برزت عدة إشكالات حقيقية، على رأسها التراجع المستمر في عدد العبارات العاملة بين المغرب وإسبانيا، وهو تراجع بدأ منذ نهاية العقد الأول وبداية العقد الثاني من الألفية الحالية، مع انسحاب شركات مغربية كانت تشكل عنصر توازن داخل القطاع، من بينها شركة “كوماريت”، التي يحسب لها أنها رفعت، خلال فترة نشاطها، على نظرائها الإسبان، سقف المنافسة وجودة الخدمات المقدمة للعابرين المغاربة…وبعد ذلك، توالت انسحابات وتوقفات شركات أخرى، مثل “أنتير شيبينغ” بسبب تراكم الديون، بالإضافة إلى توقف شركة FRS بعد أكثر من 25 سنة من الخدمة على الخطوط الرابطة بين البلدين.وقد أدى هذا الوضع إلى ضغط غير مسبوق على الخطوط البحرية الحيوية، خاصة بين جنوب إسبانيا وشمال المغرب، متسببا في اختناقات وتأخيرات طويلة عانى منها المسافرون.إلى جانب ذلك، اشتكى قطاع واسع من أفراد الجالية من الارتفاع الصاروخي لأسعار التذاكر البحرية، في ظل ضعف المنافسة وغياب شركات وطنية قوية قادرة على خلق توازن داخل السوق، مقابل عودة الشركات الأجنبية وبخاصة الإسبانية منها إلى ما يشبه الهيمنة على عدد من الخطوط البحرية الحيوية التي كانت تتحكم فيها خلال العقد الثمانيني من القرن الماضي وقبل خوض الجانب المغربي للمنافسة.. الهيمنة الأجنبية على النقل الملاحي البحري للعابرين بدت معالمها ساطعة للعيان خصوصا بين موانئ الجزيرة الخضراء وطريفة وطنجة المتوسط وطنجة المدينة.. هذا إلى جانب كون الجانب الإسباني يستأثر بمفرده وبشكل كامل باستغلال الخط البحري الرابط مع مدينة سبتة المحتلة.وقد أدى تراجع عدد الفاعلين في النقل البحري إلى شبه احتكار فعلي للقطاع من طرف شركات أجنبية، ما ساهم في الإبقاء على الأسعار في مستويات مرتفعة تفوق القدرة الشرائية لآلاف الأسر المغربية المقيمة بالخارج.ورغم تنوع موانئ العبور بين طنجة المتوسط وطنجة المدينة والناظور والحسيمة، وربطها بموانئ إسبانية كبرى مثل الجزيرة الخضراء وطريفة وألميرية وموتريل ومالقا وبرشلونة، فإن البنية التنظيمية الحالية ما تزال عاجزة عن ضمان تجربة سفر تحفظ كرامة المسافرين وتراعي ظروفهم الإنسانية.فالجالية المغربية القادمة من أوروبا تضطر، في كثير من الأحيان، إلى قطع آلاف الكيلومترات برا بسبب الغلاء الفاحش لتذاكر الطيران، بينما تجد الجالية المقيمة بدول الخليج وعدد من الدول الأفريقية نفسها شبه محرومة من خيار السفر الاقتصادي نحو الوطن، خاصة الأسر متعددة الأفراد التي لا تسمح إمكانياتها المادية باقتناء تذاكر جماعية بأسعار مرتفعة.ويزداد هذا الشعور بالغبن مع استمرار ارتفاع أسعار الرحلات الجوية خلال فترات الذروة، في وقت يلاحظ فيه كثيرون غياب مبادرات حقيقية من طرف الخطوط الملكية المغربية لتقديم عروض استثنائية تراعي البعد الاجتماعي والوطني لهذه العملية. فبدل أن تتحول عودة الجالية إلى الوطن إلى أولوية استراتيجية، تبدو، في كثير من الأحيان، وكأنها فرصة موسمية لتحقيق الأرباح.في مختلف مراكز العبور، تنتشر لافتات الترحيب بالمغاربة المقيمين بالخارج من طرف الأبناك وشركات الاستثمار والإنعاش العقاري وغيرها، غير أن عدداً كبيرا من أفراد الجالية باتوا ينظرون إلى هذا الترحيب بنوع من السخرية المريرة، معتبرين أن الترحيب الحقيقي موجه إلى العملة الصعبة التي يحملونها أكثر مما هو موجه إليهم كمواطنين لهم حقوق وانتظارات مشروعة.إن نجاح عملية “مرحبا” لا يقاس فقط بعدد المسافرين أو بحجم التعبئة الأمنية واللوجستية، بل يقاس أساسا بمدى احترام كرامة الجالية المغربية وتوفير شروط سفر عادلة ومريحة وبأسعار معقولة. فالمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل هم امتداد حقيقي للوطن، ومن حقهم أن يشعروا بأن بلدهم يفتح لهم أبوابه بمحبة واعتراف، لا بمنطق السوق والمواسم التجارية.بقيت ملاحظة أخيرة للتوضيح فقط وهي أن هذا الكلام ليس موجها إلى حكومة أرهقت المغاربة بغلاء المعيشة، حتى استحقت أن يصير ذكرها مرتبطا بـ”العيد الأغلى الكبير”. فكل ما نخشاه اليوم هو أن تمتد لا قدر الله عدوى الارتباك وسوء التدبير إلى عملية العبور أيضا… والله يخرج العاقبة على خير.

