الفن التشكيلي السعودي.. حين ارتدت الصحراء ألوانها
عمرو أبوالعطا
يمثل الفن التشكيلي السعودي واحدًا من أكثر التجارب الثقافية العربية قدرة على التحول السريع والعميق خلال عقود قليلة. فقد انتقل من محاولات فردية محدودة الإمكانات إلى مشهد متكامل تتجاور فيه اللوحة التقليدية مع الفن الرقمي، وتلتقي فيه الذاكرة المحلية مع الأسئلة الكونية، حتى صار اليوم حاضراً في المتاحف الدولية والبيناليات الكبرى ومنصات الحوار البصري المعاصر. وهذه المسيرة لم تكن تاريخاً فنياً معزولاً، وإنما كانت وجهاً آخر لتحولات المجتمع السعودي، إذ عكس الفن تغيرات التعليم والمدينة والاقتصاد والوعي العام، وسجل على سطح اللون ما جرى في عمق الحياة. عرفت أرض الجزيرة العربية منذ الأزمنة القديمة أشكالاً متعددة من التعبير البصري. تركت الحضارات المتعاقبة نقوشها على الصخور، ونسجت العمارة التقليدية زخارفها، وصاغت الحرف اليدوية جمالياتها الخاصة. غير أن الفن التشكيلي بمعناه الحديث، القائم على المعرض والمؤسسة والمدرسة الفنية والنقد، بدأ يتشكل في المملكة خلال القرن العشرين، حين أخذت الدولة الحديثة تبني أجهزتها التعليمية والثقافية، وحين بدأ الإنسان السعودي يدخل زمن التحولات الكبرى. في أواخر عشرينيات القرن الماضي ظهرت بوادر أولى للرسم الحديث. كانت تلك المحاولات متواضعة في الأدوات، محدودة في الانتشار، لكنها كشفت عن تطلع داخلي إلى لغة بصرية جديدة. رسم بعض الهواة مشاهد البيئة المحلية، والأسواق الشعبية، والبيوت القديمة، والوجوه التي تحمل ملامح المكان. كانت البدايات أقرب إلى البحث عن نافذة منها إلى تأسيس مدرسة، غير أنها مهّدت لما سيأتي لاحقاً. المنعطف الحقيقي جاء عام 1957 حين تقرر إدخال التربية الفنية إلى المناهج الدراسية. هذا القرار فتح باباً واسعاً أمام أجيال كاملة كي ترى الرسم جزءاً من التعليم، وعنصراً من عناصر بناء الشخصية. وفي العام التالي توسع تدريس المادة، ثم أقيم أول معرض فني مدرسي، فكان المشهد أشبه بإعلان رسمي لميلاد حس جمالي جديد. لم يعد الفن نشاطاً هامشياً، وإنما صار مجالاً مشروعاً للتعلم والموهبة والتقدير. في تلك السنوات لعبت البعثات الخارجية دوراً حاسماً. أُرسل عدد من الشباب السعوديين إلى مصر وإيطاليا وغيرها لدراسة الفنون. هناك شاهدوا المتاحف الكبرى، ودرسوا التشريح والمنظور وتقنيات اللون، واحتكوا بمدارس الواقعية والانطباعية والتجريد. عادوا إلى المملكة وهم يحملون معرفة تقنية، ورؤية أوسع، وإيماناً بأن الفن قادر على أن يكون جزءاً من مشروع النهضة. في مقدمة هؤلاء الرواد كان عبد الحليم رضوي، الاسم الذي ارتبط ببدايات التشكيل السعودي الحديث. درس في إيطاليا، ثم عاد ليقيم معرضه الشخصي في جدة عام 1965، وهو حدث مفصلي في الذاكرة الثقافية السعودية. اتسمت أعماله بجرأة لونية واضحة، وبمزج بين حس تعبيري حديث وروح محلية. كان ينظر إلى اللوحة بوصفها مساحة للبحث الإنساني، لذلك تجاوز التسجيل المباشر إلى بناء عالم أكثر كثافة وحرية. إلى جانبه جاء محمد السليم، الفنان والمفكر الذي منح التجربة السعودية عمقاً نظرياً. اشتغل على الحرف العربي بوصفه مادة تشكيلية، فحرره من وظيفته الكتابية، وجعله شكلاً نابضاً بالإيقاع والدلالة. وفي أعماله تلاقى التجريد مع الهوية، وتجاور الحس الروحي مع البناء الهندسي. كما أسهم في تأسيس دار الفنون السعودية، وصار أحد أهم الأصوات المدافعة عن الوعي الجمالي. وفي جدة ظهرت صفية بن زقر، التي سجلت حضوراً تاريخياً كأول فنانة سعودية تقيم معرضاً خاصاً داخل المملكة عام 1968. انصرفت إلى توثيق الحياة الاجتماعية والعادات القديمة، خاصة في الحجاز، فرسمت المرأة والأسواق والأزياء الشعبية وطقوس الحياة اليومية. كانت لوحاتها أشبه بذاكرة مصورة لوطن يتغير سريعاً. ثم أسست دارة صفية بن زقر، التي تحولت إلى مؤسسة ثقافية لحفظ التراث البصري. كما أسهمت أسماء أخرى في ترسيخ البدايات، من بينها محمد الصقعبي، وعبدالله الشيخ الذي انشغل بالبيئة المحلية والمنظر الطبيعي، ومنيرة موصلي التي طرحت أسئلة الهوية والرمز من زاوية نسائية مبكرة، وعبد الجبار اليحيى الذي أثرى المشهد بخبرته وتنوعه وكتاباته الصحفية المتخصصة. حمل كل واحد من هؤلاء زاوية مختلفة، وصنعوا معاً الملامح الأولى للمشهد. وخلال الستينيات والسبعينيات بدأت المؤسسات تتشكل. تأسس معهد التربية الفنية للمعلمين بالرياض عام 1965، وكان من أهم المنابع التي خرجت أجيالاً من الفنانين والمعلمين. ومن خلاله انتقلت المعرفة الفنية من النخبة المحدودة إلى دوائر أوسع في المدن والمناطق. كما ظهرت جماعات فنية ومعارض مشتركة خلقت روحاً جديدة من الحوار والتنافس. دخلت الثمانينيات والتسعينيات، فانتقل الفن السعودي من طور التأسيس إلى مرحلة النضج والانتشار. توسعت المدن، وارتفع مستوى التعليم، وتزايد حضور المؤسسات الثقافية، فوجد الفن بيئة أكثر استقبالاً. كثرت المعارض الفردية والجماعية، وظهرت صالات عرض خاصة، واتسعت دائرة الجمهور. وفي هذه المرحلة لعبت الرئاسة العامة لرعاية الشباب دوراً مهماً عبر تنظيم المسابقات والمعارض السنوية وتقديم الدعم للمواهب. ظهر جيل جديد حمل خبرة الرواد وأضاف إليها حساسية أكثر تنوعاً. من بينهم عبد الله حماس، الذي اشتغل على التراث الشعبي والعمارة القديمة والأسواق، مقدماً مشاهد يومية بألوان دافئة وروح حميمية. في أعماله بدا المكان الشعبي بطلاً جمالياً لا مجرد خلفية. كما لمع عبد الرحمن السليمان، الذي اتجه إلى الرمزية والتأمل الفلسفي. كانت لوحاته تبحث في الزمن والذاكرة والوجود عبر تكوينات تجريدية تحتاج من المشاهد مشاركة ذهنية وروحية. أما فيصل سمرة فكان من أكثر الفنانين جرأة وتجريباً، إذ تجاوز اللوحة إلى النحت والفن التركيبي والفيديو، وفتح الباب أمام أسئلة جديدة داخل الساحة السعودية. في هذه العقود تنوعت المدارس الفنية. استمرت الواقعية في تسجيل الحياة والمشهد المحلي، غير أنها اكتسبت حساً تعبيرياً أعمق. وازدهرت التجريدية، خاصة لدى من رأوا في اللون والخط طاقة تتجاوز الشكل الظاهر. كما بقيت الحروفية حاضرة بقوة، إذ وجد الفنانون في الحرف العربي منبعاً لا ينضب للابتكار البصري. الحروفية السعودية لم تكن زينة شكلية، وإنما مشروع ثقافي. فقد أدرك الفنانون أن الحرف يحمل تاريخاً وروحاً وجماليات هندسية، ويمكن أن يكون جسراً بين الأصالة والحداثة. ومن هنا ظهرت أعمال تتعامل مع الحرف ككتلة وحركة وإيقاع، لا كوسيلة كتابة فقط. كما ظهرت محاولات سريالية ومفاهيمية مبكرة. بعض الفنانين اتجهوا إلى الحلم والرمز وعوالم اللاوعي، وبعضهم انشغل بالفكرة أكثر من الشكل، ممهدين لما سيأتي بقوة في الألفية الجديدة. وهذا التنوع كان دليلاً على حيوية الساحة لا على تشتتها. ومع دخول القرن الحادي والعشرين دخل الفن التشكيلي السعودي مرحلة جديدة أكثر انفتاحاً واتصالاً بالعالم. ظهر جيل درس في جامعات دولية، واحتك مباشرة بالمشهد العالمي، واستخدم وسائط تتجاوز اللوحة التقليدية، مثل التصوير الفوتوغرافي، والفيديو، والفن التركيبي، والفن المفاهيمي، والفنون الرقمية. في مقدمة هذا الجيل يظهر أحمد ماطر، أحد أكثر الأسماء السعودية حضوراً في العالم. تناولت أعماله التحولات العمرانية، والذاكرة الدينية، والعلاقة بين السلطة والصورة، والطبقات الخفية للتغير الاجتماعي. جمع بين الحس البحثي واللغة البصرية المؤثرة، فحظيت أعماله باهتمام واسع في المتاحف الدولية. كما قدمت منال الضويان تجربة بارزة في تناول قضايا المجتمع والمرأة والذاكرة الجمعية. استخدمت التصوير والتركيب لصنع أعمال تفتح أبواب النقاش العام. وبرز عبد الناصر غارم بأعمال مفاهيمية تناقش السلطة والبيروقراطية والحدود بلغة ذكية ونافذة. أما شادية عالم فقد مزجت الزخرفة الإسلامية بالحس المعاصر، وقدمت أعمالاً تحتفي بالبناء الروحي والهندسي. وطورت لولوة الحمود مشروعاً حروفياً عالمياً يقوم على التكوين الرياضي والإيقاع البصري، فصار الحرف العربي في أعمالها لغة تتجاوز الحدود. التحول الأكبر جاء مع رؤية المملكة 2030، حين دخلت الثقافة قلب المشروع الوطني. صار الفن جزءاً من التنمية، وعنصراً في الاقتصاد الإبداعي، ووسيلة لتعزيز جودة الحياة. تأسست هيئات جديدة، وأطلقت برامج تدريب وابتعاث، وبدأ الاستثمار في المتاحف والمراكز الثقافية والمعارض الكبرى. من أبرز علامات هذه المرحلة بينالي الدرعية للفن المعاصر، الذي جمع فنانين من المملكة والعالم في منصة واحدة، وقدم صورة جديدة عن السعودية بوصفها مركزاً ثقافياً صاعداً. كما لعب معهد مسك للفنون دوراً مهماً في تمكين الفنانين الشباب، وتقديم برامج تعليمية وورش احترافية. وفي جدة أصبح حي جميل مساحة حية تجمع العرض والتعليم والإنتاج والحوار. استمرت برامج الابتعاث الثقافي، ولكن بروح جديدة تركز على تخصصات الفن المعاصر، والتصميم، وإدارة المتاحف، وصناعة المعارض. عاد كثير من المبتعثين بخبرات عالمية أسهمت في تجديد الأدوات والرؤى داخل الساحة المحلية. في الوقت نفسه خرج الفن إلى الفضاء العام. صارت الأعمال الفنية جزءاً من الميادين والحدائق والمباني الكبرى. دخلت الجداريات والمنحوتات والمجسمات إلى المشهد الحضري، فتحولت المدينة نفسها إلى معرض مفتوح. وهذا التحول رفع الذائقة البصرية، وجعل الجمهور يلتقي بالفن في حياته اليومية. كما أصبحت المشاريع الكبرى مثل نيوم والقدية والبحر الأحمر منصات واعدة للفنون العامة والتصميم المعاصر. هنا لم يعد الفن تابعاً للعمران، وإنما شريكاً في صياغة المكان من البداية. وهذه رؤية حديثة ترى الجمال جزءاً من التنمية لا زينة لاحقة لها. ومن أهم ملامح المرحلة الراهنة صعود الفن الرقمي. اتجه فنانون سعوديون إلى الرسم الرقمي، والرسوم المتحركة، والتجارب التفاعلية، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز. هذا المسار أتاح إمكانات جديدة للتجريب، وفتح باباً واسعاً أمام جمهور شاب يعيش زمن التقنية. كما أصبح الفن رافعة للسياحة الثقافية. فالمعارض والمهرجانات والأسابيع الإبداعية تجذب الزوار من الداخل والخارج، وتنعش قطاعات الضيافة والنشر والتصميم والتعليم. وهكذا صار الفن جزءاً من دورة اقتصادية حديثة، لا مجرد نشاط ثقافي منفصل. المشهد السعودي اليوم يتميز بتعدد الأصوات. هناك من يعود إلى التراث الشعبي، وهناك من يناقش الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية. هناك من ينحت في الصحراء، وهناك من يصنع أعمالاً سمعية وبصرية غامرة. هذا الاتساع علامة نضج، لأنه يعني أن الساحة لم تعد رهينة قالب واحد. والأهم أن الفنان السعودي لم يعد منشغلاً بإثبات وجوده فقط، وإنما بصناعة أثر حقيقي في النقاش العالمي. إنه يتحدث من بيئته، لكنه يخاطب العالم. يستلهم المكان والدين والمدينة والتحول الاجتماعي، ثم يحولها إلى لغة يفهمها المتلقي أينما كان. لقد قطع الفن التشكيلي السعودي مسافة واسعة في زمن قصير. بدأ بمحاولات فردية خجولة، ثم صار مؤسسات ومعاهد، ثم تحول إلى طاقة وطنية كبرى. وهذه السرعة تكشف عن حيوية المجتمع السعودي وقدرته على استقبال الجديد وإعادة إنتاجه بروحه الخاصة. ولا تزال اللوحة السعودية تفتح نافذتها على العالم، حاملة رائحة المكان، وذاكرة الآباء، وقلق الحاضر، ووعد الأيام القادمة.

