هل يمكن للتعليم أن يخلق السوق بدل خدمتها؟

الجدل الذي رافق انطلاق جامعة الرياض للفنون، لفت نظري لموضوع في غاية الأهمية، وهو العلاقة التفاعلية بين المدرسة والسوق. يتضح الموضوع في سؤالٍ كثير التداول، فحواه: هل نبني التعليم الجامعي كي يلبي حاجات السوق؟ أم إن مهمته هي صناعة السوق وتحديد حاجاتها؟
الفرق بين السؤالين واضح جداً، فالتعليم الذي يخدم حاجات السوق ينطلق من فرضية أن السوق القائمة هي المكلَّفة بتوليد الوظائف وتحريك الاقتصاد. ولأن هذا لا يتحقق من دون يد عاملة مؤهلة، فإن مهمة النظام التعليمي هي سد هذه الحاجة. هذا يشبه إلى حد بعيد الفهم الذي ساد في بداية إنشاء التعليم الحكومي قبل نحو 100 عام، حين اعتبر الجميع أن غرض المدارس الحديثة التأسيس، هو توفير الموظفين للدوائر الحكومية التي كانت حديثة التأسيس أيضاً.
بات الموضوع حرجاً؛ لأن عدد الذين يتخرجون من المدارس والجامعات أكبر كثيراً من قدرة الاقتصادات الوطنية على توليد ما يكفي من الوظائف لغالبيتهم. فماذا نفعل في مواجهة التحدي؟
بعض الحكومات اعتمد تصدير الفائض من اليد العاملة إلى الأسواق المستقبِلة للعمالة. ونعلم أن هذا حل لمشكلة طالب العمل، ولكنه لا يعالج ضعف الاقتصاد الوطني. الحل الذي اختارته حكومات أخرى -ومن بينها السعودية- هو تشجيع الشباب على إنشاء شركاتهم الخاصة، كي يعملوا لأنفسهم، بدل العمل لصالح الغير.
نعلم أن هذا الخيار ليس مرجَّحاً عند غالبية الناس؛ لأنهم -ببساطة- لا يملكون الرساميل ولا الخبرة، فضلاً عن الخلفية الثقافية التي لا تشجع المغامرة.
حسناً… هل يمكن للتعليم الجامعي أن يساعد في استيعاب هذا التحدي؟
هذا هو بالتحديد محل السؤال الثاني عن علاقة الجامعة بالسوق. والفرضية التي نطرحها هنا، هي أن دور الجامعة كخادمة للسوق، ضروري، ولكنه لا يعالج المشكلة الكبرى، أي ضيق وعاء التوظيف في السوق الحالية. إن الحل الجذري هو أن «نخلق سوقاً جديدة».، هكذا الأمر بكل بساطة!
«خَلق السوق» يعني إبداع أعمال من العدم، وتوفير وظائف جديدة، ما كان أحد يتخيل وجودها قبلئذٍ. لتوضيح الفكرة، اسأل نفسك: ما عدد الوظائف الجديدة التي خُلقت بفضل انتشار الإنترنت، ثم الهاتف الجوال المتصل بالإنترنت؟ أعتقد أن عددها بالملايين أو ربما عشرات الملايين. فمن كان يتخيل هذا النوع من الوظائف قبل 40 سنة؟
خذ أيضاً الوظائف التي تتصل بالأنظمة الذاتية الحركة، مثل الطائرات المُسيَّرة والروبوتات والمحركات المدارة عن بعد، وهي كلها تقنيات ناشئة، وسوف تكون مثل الهاتف الجوال بعد 5 سنوات أو نحوها. تُرى كم هو عدد الوظائف التي توفرها هذه التقنيات الآن؟ وكم نتوقع أن يتوفر منها في العقد القادم؟
هذه أمثلة على سوق خُلقت في مختبرات الجامعة، وهي تقدم فرصاً أوسع وأرقى من معظم الوظائف المعروفة اليوم.
تستطيع جامعاتنا تولي هذه المهمة، ليس بمعنى الانصراف كلياً إليها؛ بل بمعنى أن تخصها بالاهتمام والتمويل والإدارة. نموذج التعليم الذي يخلق السوق، جوهره الابتكار والبحث العلمي المتقدم، والتركيز على التقنيات التي تقود السوق، مثل الطاقات المتجددة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية، واحتضان الأعمال التي ينشئها الطلبة والمدرسون، نظير ما تقوم به «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا» حالياً.
إنْ أردتَ لمس ما نتحدث عنه، فاعلم أن خريجي «جامعة كامبردج» البريطانية –مثلاً- أقاموا 26 شركة تقنية، رأسمال الواحدة منها يتجاوز المليار دولار. وتساهم الشركات المرتبطة بهذه الجامعة في الاقتصاد البريطاني بنحو 30 مليار جنيه سنوياً. أما «جامعة ستانفورد» فإن خريجيها أقاموا 122 شركة تقنية، يتجاوز رأسمال الواحدة منها المليار دولار.
هذا قليل من كثير، يُظهر أن فكرة «خلق السوق» ليست حلم ليلة صيف، ولا تأملات متفرج من برج عاجي؛ بل هي إمكانية قائمة وقد جُرِّبت فعلاً. فهل نستطيع التحرر من العُقَد القديمة، ونفكر في السوق التي نصنعها بدل السوق التي نخدمها؟

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد