جامعة الفنون: هل نُصدّر هُويتنا بلسانٍ مستعار؟

حين سُئلت وكيلة وزارة الثقافة للشراكات الوطنية وتنمية القدرات الأستاذة نهى قطان في لقاء تلفزيوني عن لغة التدريس في جامعة الرياض للفنون، جاء ردها مباشراً وبلا تردد: “إنجليزي.” ثم أردفت مبررةً: “لأن أنت نبغى نأخذ ثقافتك ونصدرها للعالم.” وحين واجهها المذيع عمر الجريسي بمقولة نجيب محفوظ الشهيرة: “الطريق إلى العالمية يبدأ بالمحلية”، لم تقف قطان عند هذا التوجيه طويلاً، بل ردّت بأن اللغة ليست عائقاً للدخول وأن الموهبة هي الأساس. غير أن هذا التبادل وحده يحمل تعارضاً لافتاً يستحق وقفة متأنية، وما هذه الوقفة إلا حرصاً على مشروع وطني رائد تستحق طموحاته محاسبةً صادقة: فكيف تبدأ المحلية إذا كانت لغة تعليمها أجنبية؟
لم تكن ردود الفعل التي أعقبت هذا التصريح مجرد موجة من الانفعال الرقمي العابر. فقد تساءل الدكتور سليمان الذييب، أستاذ الكتابات العربية القديمة، عن مدى تعارض هذا التوجه مع الأنظمة الوطنية الداعمة للغة العربية. وفي نقد منهجي أعمق، حذر الدكتور فهد العرابي الحارثي من خطر السقوط في فخ “التبعية المعرفية” عبر استيراد خطاب فني جاهز، متسائلاً بوضوح: كيف نبني وعياً فنياً وطنياً بلغة غير اللغة الوطنية؟ في المقابل، ثمة أصوات رأت في الأمر وجهاً آخر؛ فالمستشارة التربوية منى العيبان اعتبرت أن الاعتماد على الإنجليزية قد يكون مرحلةً انتقالية ريثما تتراكم المراجع العربية وتنضج التجربة المحلية، فيما أكد عبد الرحمن السيد أن الإنجليزية أداة وليست غاية، والمهم توظيف المحتوى لخدمة الثقافة السعودية وتمكين الطالب من صياغة قصة سعودية بمستوى عالمي. هذا جدل حقيقي ومشروع يعكس اتساع الرهان على هذه الجامعة وثقل التوقعات المُعَوِّلة عليها.
ورغم تفهُّمنا لحاجة الجامعة في بداياتها إلى بناء شراكات دولية والاعتماد على مراجع عالمية، كتعاونها مع الكلية الملكية البريطانية للفنون (RCA) وغيرها من المؤسسات الرفيعة، وإعلانها أن القبول سيُبنى على الموهبة لا على الكفاءة اللغوية وحدها، فإن ذلك كله لا يُجيب عن السؤال الجوهري: هل الإنجليزية وعاءٌ للهوية الفنية أم مجرد أداة للتواصل مع العالم؟ ثمة فرق جوهري بين أن تكون الإنجليزية نافذةً مشرعة على التجارب العالمية، وبين أن تكون اللغة الحصرية التي يُبنى فيها الوجدان الفني السعودي منذ يومه الأول.
والأدلة هنا لا تقف عند حدود الرأي، بل تمتد إلى الدراسة والبحث. فقد توافقت الدراسات والأدبيات التربوية الحديثة، محلياً وعالمياً، على أن الطلاب يُحققون استيعاباً أعمق وأداءً أكاديمياً أفضل حين يُدمج تعليمُهم لغتَهم الأم إلى جانب اللغة الأجنبية، لا حين تُستبدل بها. والسبب التربوي الدقيق خلف هذا النجاح يكشفه ما باتت تُقرّه اللغويات التطبيقية الحديثة: المبدع لا يعمل في قوالب لغوية معزولة، بل يتحرك ضمن ما يُسمى “الذخائر اللغوية” (Full Linguistic Repertoires)، أي كامل مخزونه من الأنماط والمفردات والصور الثقافية المتراكمة في لغته الأم. ومن هنا يأتي “العبور اللغوي” (Translanguaging) كأحد أفضل الممارسات التعليمية الحديثة، وهو لا ينفي أهمية الإنجليزية، بل يوظفها أداةً للتواصل والاطلاع، دون أن يُضطر المبدع إلى تعطيل تلك الذخيرة الأم التي هي منبع هُويته وخياله ورمزه الثقافي.
والمفارقة اللافتة أن هذا لا يقتصر على التخصصات الإنسانية التي تتشابك بطبيعتها مع السياق الثقافي، بل يظهر حتى في البيئات التي تعتمد الإنجليزية تعليماً حصرياً كالطب والهندسة، وهو ما وثَّقته أبحاث (English as a Medium of Instruction)، ذات الطابع الموضوعي الذي يُفترض أنه متجاوز للثقافة. فإذا كانت الأبحاث تُثبت أن طالب الطب يُحقق استيعاباً أعمق وأداءً أفضل حين تُفعَّل ذخيرته اللغوية الأم إلى جانب الإنجليزية، فبأي منطق تربوي نقول إن طالب الفنون، وهو مَن يُعالج الذائقة والرمز والتعبير عن العمق الثقافي، يحتاج إلى ما هو أدنى من ذلك؟
وثمة فارق جوهري لا يُمكن تجاوزه، وهو أن وعاء الفنون مختلف بطبيعته عن وعاء العلوم التطبيقية: فمعادلة رياضية صحيحة بالإنجليزية هي ذاتها بالعربية، والتفاعل الكيميائي لا يختلف مآله باختلاف اللغة التي يُصاغ بها. ولكن قصيدة، أو مشهدٌ مسرحيٌّ، أو لوحةٌ تحمل دلالةً ثقافية، إنما تنبثق من التربة اللغوية للمُبدع قبل أن تنبثق من أي أسلوب مكتسب أو تقنية متعلَّمة. وإن كانت الجامعة قد أعلنت أن بابها سيكون مفتوحاً على أساس الموهبة لا اللغة، فالسؤال الحقيقي ليس عن باب القبول، بل عما يحدث بعده: كيف يُبدع طالب مَلَكَته الفنية عربية الجذور تجربةً أصيلة حين تُشترط عليه الإنجليزية وسيطاً وحيداً لكل تفكير وتعبير وإنتاج؟ الإقصاء الأخطر لا يكون دائماً عند البوابة؛ أحياناً يكون داخل قاعة الدرس، حين يجد المبدع نفسه يُحاضَر بلغة لا تحمل تجربته، ولا تعكس عمقه، ولا تستوعب مرجعيته الثقافية.
لا أحد يدعو هنا إلى إغلاق الباب أمام الإنجليزية أو رفض الانفتاح على التجارب العالمية في تعليم الفنون. فالجامعات الفرنسية تُدرِّس فنونها بالفرنسية، واليابانية باليابانية، والكورية بالكورية، مع نوافذ مشرعة على اللغات الأخرى بوصفها أداةً للتواصل لا وعاءً للهوية. فالفرق شاسع بين أن تُضاف لغة وبين أن تُزاح لغة، والعالمية لا تبدأ بالتخلي عن اللغة التي تحمل الثقافة في جوهرها، بل بتوطين تلك الثقافة في عمق لا يتزعزع، ثم تقديمها للعالم من موقع قوة لا من موقع تبعية. وجامعة تدَّعي أنها ستُصدِّر الثقافة السعودية إلى العالم بينما تُقصي العربية من قلب تجربتها التعليمية تشبه مَن يريد أن يُطعم الضيوف وليمةً محلية لم يُحكم طبخها بيده ولا بأدواته.
والمسار الذي يستحق هذه الجامعة أن تسلكه ليس الاختيار بين العربية والإنجليزية، بل بناء نموذج يُرسّخ العربية لغةً للتأسيس والهوية والإبداع، ويوظّف الإنجليزية لغةً موازية للتواصل والمراجع والشراكات الدولية. وهذا ليس طرحاً خيالياً، بل هو النموذج المعمول به في أرقى جامعات الفنون في العالم التي تحمي هويتها الثقافية وتفتح في الوقت ذاته آفاقاً عالمية رحبة.
حين واجه المذيع عمر الجريسي وكيلةَ الوزارة بمقولة نجيب محفوظ، كان يستند إلى حجة بالغة الدلالة تصعب الإجابة عنها بسهولة. فمحفوظ نفسه لم يكتب رواياته بالإنجليزية ليصل إلى ستوكهولم؛ كتبها بالعربية، وعن القاهرة، ومن قلب أزقتها وأسرارها وناسها، فجاءت إليه جائزة نوبل مذعنة، لأنه كان أصيلاً لا لأنه كان مُعولَماً. فهل نبدأ الطريق إلى العالمية بالمحلية كما قال محفوظ، أم نبدأه بالتخلي عن لغة تلك المحلية كما يقترح هذا القرار؟ إن الانحياز للغة العربية في جامعة الفنون ليس انكفاءً على الذات، بل هو الاستثمار الحقيقي في المحلية التي ستجعل العالم يلتفت إلينا غداً، كما التفت إلى محفوظ بلسانه العربي الأصيل.
• أستاذ اللغويات التطبيقية المساعد بجامعة أم القرى

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد