مبادرة «سينك».. قصة تجربة سعودية في بناء الاتزان الرقمي

(الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة آراء الفنار للإعلام).

لم تتبنَّ منطقة في العالم العصر الرقمي بسرعة وحماسة دول الخليج العربي الست (البحرين، والكويت، وسلطنة عُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة). وقد انتهجت هذه الدول، بدرجاتٍ متفاوتة، برامج طموحة لتطوير البنية التحتية التقنية والتحول الرقمي الشامل للمجتمع.

بحلول عام 2023، حققت جميع الدول الست تغطية كاملة بنسبة 100% لشبكة الإنترنت عبر الهاتف المحمول (الجيل الثالث أو أعلى) [1]. وإلى جانب البنية التحتية التقنية المذهلة، يُعدّ الإقبال على الخدمات الرقمية مرتفعًا نسبيًا. بحلول عام 2025، كانت المملكة العربية السعودية أعلى دولة في العالم من حيث معدل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي (نسبة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي النشطين إلى إجمالي السكان)، تليها الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية [2]. وبفضل شريحة الشباب الواسعة، والتغطية الشاملة للإنترنت فائق السرعة، والتفاؤل العام بالتكنولوجيا، تستفيد منطقة الخليج من التقنيات الرقمية، كما أنها تقود الطريق في مواجهة التحديات المصاحبة لها وآثارها الجانبية غير المقصودة.

وبعيدًا عن العلاقة الواضحة بين قلة الحركة والسمنة، بدأت التحديات المتعلقة بالتكنولوجيا بالظهور في أوائل التسعينيات؛ فقد بدأ علماء النفس بالإبلاغ عن «اضطرابات مرتبطة بالتكنولوجيا»، مشيرين إلى أوجه التشابه بين الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، مثل ألعاب الفيديو أو استخدام غرف الدردشة، والإدمان المرضي على القمار. ومن هنا نشأت فكرة أن التكنولوجيا قد تكون مُسببة للإدمان بطبيعتها. علاوة على ذلك، أضافت منظمة الصحة العالمية، في عام 2019، اضطراب الألعاب إلى نظامها التشخيصي (الإصدار الحادي عشر من التصنيف الدولي للأمراض) ضمن قسم الإدمانات السلوكية.

إضافةً إلى فكرة الاستخدام المفرط للتكنولوجيا أو الإدمان السلوكي، أدركنا أيضًا أن العالم الرقمي قد يُضخّم ويُفاقم المشكلات الاجتماعية القائمة، مثل التنمّر الإلكتروني (التنمّر والاستغلال)، والمعلومات المضللة، والاستقطاب الجماعي (تأثير غرفة الصدى)، على سبيل المثال لا الحصر.

اقرأ أيضاً
عاجل: السعودية تنفذ أكبر خطة إسعافية في تاريخ الحج 2026.. طائرات جوية و526 نقطة طوارئ لحماية مليون حاج!

عاجل: السعودية تنفذ أكبر خطة إسعافية في تاريخ الحج 2026.. طائرات جوية و526 نقطة طوارئ لحماية مليون حاج!

وبحلول عام 2019، برزت ردة فعل واضحة ومتزايدة ضد التكنولوجيا (ردة فعل التكنولوجيا)، حيث اقترح المشرّعون في الولايات المتحدة قوانين جديدة مثل قانون الحد من إدمان وسائل التواصل الاجتماعي (SMART Act)، وقانون شفافية فقاعة التصفية، وبعد ذلك بقليل، قانون سلامة الأطفال على الإنترنت (KOSA Act).

وبعيدًا عن أمريكا الشمالية، أصدرت الحكومة الصينية أيضًا قانونًا بشأن وقت استخدام الشاشات في عام 2019، يحظر على القاصرين ممارسة الألعاب الإلكترونية بين الساعة العاشرة مساءً والثامنة صباحًا. وتهدف هذه التشريعات عادةً إلى تنظيم منصات التكنولوجيا، مع مراعاة مصالح الصحة البدنية والنفسية للجمهور.

مبادرة «سينك»

في خضمّ هذه المفارقة الرقمية المعقدة (التكنولوجيا تُفيدنا، والتكنولوجيا تُضرّنا)، أطلق مركز الملك عبد العزيز للثقافة العالمية (إثراء) برنامجه العالمي للاتزان الرقمي «سينك». يقع مقرّ «سينك» في المملكة العربية السعودية، وهو ملتزم بتعزيز الرفاهية الرقمية عالميًا، حيث يدرس تأثير التكنولوجيا على الصحة البدنية والنفسية والاجتماعية، ويستكشف أفضل السبل لإدارة التكنولوجيا وتصميمها واستخدامها لتحسين صحة العقل والجسد والمجتمع.

وانطلاقًا من البحث العلمي، أدرك «سينك» أن القيم الثقافية تُشكّل كيفية استخدام التكنولوجيا وتوقيته وأسبابه. ومن خلال هذه النظرة الشاملة متعددة الثقافات، أطلق «سينك» استطلاعًا عالميًا للاتزان الرقمي في عام 2021. استكشف هذا المشروع الرائد الرفاهية الرقمية في 30 دولة. أُعيد إجراؤه في عام 2023، وتوسّع ليشمل 35 دولة و35,000 مشارك. وقد توسّع الاستطلاع الآن ليشمل 50 دولة، ومن المقرر جمع البيانات في وقت لاحق من عام 2026.

نحو سلوكيات رقمية صحية

ساعدت الرؤى المستقاة من هذه الدراسات الاستقصائية وقاعدة الأدلة الأوسع نطاقًا شركة سينك على تطوير برامج تدخلية، والترويج لها، وتكييفها لتناسب منطقة الخليج والعالم العربي عمومًا. فعلى سبيل المثال، وبالتعاون مع فريق من جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة، طورنا برنامجًا تدخليًا مدرسيًا لتعزيز سلوكيات رقمية صحية (مثل تقليل وقت استخدام الشاشات في الساعة التي تسبق النوم) لدى الآباء والمعلمين والطلاب. يراعي هذا البرنامج التدخلي، ويدمج فيه سمات ثقافية ومعايير اجتماعية مشتركة، مثل احترام الوالدين، والالتزام بالصلاة، والترابط الأسري، والعيش في أسر متعددة الأجيال. ويخضع البرنامج حاليًا لتجربة سريرية عشوائية مضبوطة مسجلة، ومن المقرر إتمامها في أواخر عام 2026.

شاهد أيضاً
منسوبو الملحقية الثقافية السعودية بواشنطن يحتفون بتخرج المبتعثين لعام 2026

منسوبو الملحقية الثقافية السعودية بواشنطن يحتفون بتخرج المبتعثين لعام 2026

وإدراكًا منا لتزايد الأدلة على أن الاستخدام المفرط أو الإشكالي للتكنولوجيا غالبًا ما يكون وسيلة للتكيف مع التوتر أو المشاعر السلبية (مثل القلق والوحدة والملل)، طورت سينك أيضًا برنامجًا تدخليًا يُسمى «التوازن الرقمي القائم على اليقظة الذهنية». مرة أخرى، استند هذا التدخل إلى التجربة السعودية، وقد أثبت فعاليته وحظي بتقدير كبير من المشاركين في البرنامج، الذي يُقدّم عادةً على شكل خلوة إقامة لمدة أربعة أيام. ويتمحور جوهر هذه الخلوة حول فكرة استخدام التكنولوجيا الرقمية بوعي، وتحديد طرق بديلة غير قائمة على الشاشات لتنظيم المشاعر، ومواءمة استخدام التكنولوجيا مع القيم الشخصية.

حظر الهواتف في المدارس

إلى جانب دراسة السلوكيات الفردية، بحثت «سينك» أيضًا في كيفية تصميم التكنولوجيا وإدارتها وتنظيمها. فعلى سبيل المثال، كانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول التي فرضت حظرًا وطنيًا على استخدام الهواتف الذكية في المدارس، وذلك في عام 2021. وحتى هذا العام، تفرض 114 دولة قيودًا مماثلة على استخدام الهواتف [3]، بهدف الحد من عوامل التشتيت خلال اليوم الدراسي، والتنمر الإلكتروني، والغش الأكاديمي، وقلة الحركة، مع توفير قدر أكبر من الخصوصية وفرص لتنمية المهارات الاجتماعية.

مفهوم الرفاه الرقمي

لا يقتصر مفهوم الرفاه الرقمي على تقليل استخدام التكنولوجيا أو الدعوة إلى فرض قيود عليها، بل يشمل أيضاً تعزيز التصميم الأخلاقي واستخدام التكنولوجيا لتحسين الرفاه الفردي والاجتماعي. فإذا كانت التكنولوجيا مصممة لتكون إدمانية، فيمكنها أيضًا أن تكون صحية. بالتعاون مع فريق التقنيات الرائدة التابع لمنظمة الصحة العالمية، استكشفت «سينك» كيفية استخدام ألعاب الفيديو لتعزيز الصحة العامة في منطقة الخليج، إلى جانب مبادرات مماثلة تهدف إلى استخدام المنصات التكنولوجية لمكافحة انتشار المعلومات الصحية المضللة والحدّ منها.

ومن الجوانب المهمة والمتزايدة الأهمية لتعزيز الرفاه الرقمي، سدّ الفجوة الرقمية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يصل إلى 2.2 مليار شخص – معظمهم في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط – لا يزالون غير متصلين بالإنترنت [4]. ويتطلب الرفاه الرقمي تكافؤ الفرص في الوصول إلى العالم الرقمي للجميع. وتلتزم سينك بتوسيع نطاق الوصول ومشاركة الدروس المستفادة من العقود الماضية، لكي يتمكن الوافدون الجدد إلى العالم الرقمي، أينما كانوا، من التمتع بمزاياه وتجنب أعبائه.

قد يهمك
المملكة تتوج بالمركز الأول عالميًا في “آيسف 2026” وتحصد 24 جائزة دولية

المملكة تتوج بالمركز الأول عالميًا في “آيسف 2026” وتحصد 24 جائزة دولية

المصادر:

1.             International Telecommunications Union. Population coverage, by mobile network technology. 2025; Available from: https://datahub.itu.int/data/?i=100095&e=3&s=430.

2.             Statistica Active social network penetration in selected countries and territories in 2025. 2025.

3.             UNESCO, Global Education Monitoring Report. 2026.

4.             United Nations Executive Office of the Secretary-General, A Global Digital Compact — an Open, Free and Secure Digital Future for All. 2023.

*الدكتور فهد البياهي، رئيس قسم أبحاث الرفاهية الرقمية في مركز الملك عبد العزيز للثقافة العالمية (إثراء) والمؤسس المشارك لبرنامج الاتزان الرقمي العالمي التابع لإثراء «سينك».

اقرأ أيضًا:

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد