كليات التربية في السعودية .. من إعداد المعلم إلى قيادة التحول التعليمي

تمثل كليات التربية في الجامعات العالمية اليوم أحد المحركات الرئيسة للفكر التربوي وصناعة السياسات التعليمية وعلوم التعلم والتحول الرقمي. وقد تحولت خلال العقود الأخيرة من مؤسسات تُعنى بإعداد المعلم إلى فضاءات بحثية واستشارية تسهم في تطوير التعليم وبناء نماذج القيادة والتقويم والتطوير المؤسسي.
ومع ذلك، ما يزال جزء من النقاش المحلي حول مستقبل كليات التربية يتحرك داخل تصور يختزل دورها في برامج إعداد المعلم، وكأن قيمتها تتحدد فقط بقدرتها على تزويد المدارس بالكوادر التعليمية. وتزداد حساسية هذا النقاش مع التوجهات الأخيرة لإعادة تنظيم كليات التربية في الجامعات السعودية وتقليص عددها؛ فالقضية هنا لا تتعلق بدمج أكاديمي أو إعادة توزيع تنظيمي فحسب، بل بموقع الفكر التربوي داخل مشروع التحول الوطني، وبالدور الذي يفترض أن تؤديه الجامعات في تطوير التعليم خلال العقود المقبلة.
أدركت كثير من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن تطوير التعليم لا يتحقق بالمناهج أو التقنيات وحدها، بل بوجود مؤسسات جامعية تمتلك القدرة على تفسير كيف يتعلم الإنسان، وكيف تُبنى السياسات العامة على الأدلة لا الانطباعات.
ولهذا اتجهت جامعات رائدة في كندا وأستراليا وبريطانيا وهولندا إلى تطوير كليات التربية لتصبح منصات متقدمة في علوم التعلم، وتحليل البيانات التعليمية، وبحوث القيادة والسياسات، والتطوير المهني المستدام، وتصميم النماذج التعليمية المستقبلية. فالتعليم لا يتطور بالأدوات وحدها، بل بالقدرة على فهم عملية التعلم وتحليلها وتفسير تحولاتها.
وتكشف هذه التجارب مسارًا عالميًا واضحًا؛ إذ لم تعد كليات التربية مجرد وحدات أكاديمية مرتبطة بالإعداد المهني التقليدي، بل أصبحت جزءًا من البنية الفكرية التي تفسر التحولات التعليمية وتقود تطوير السياسات والممارسات.
فمعهد التربية في جامعة لندن (UCL Institute of Education) تحول إلى أحد المراكز المؤثرة عالميًا في بحوث التعلم والسياسات التعليمية، بينما اتجهت جامعات أسترالية وكندية إلى بناء منظومات بحثية متقدمة في الذكاء الاصطناعي التعليمي وتحليل البيانات والتطوير المهني والقيادة المدرسية، مع ارتباط مباشر بإصلاح التعليم وتحسين جودة التعلم.
وتكشف هذه النماذج أن حضور كليات التربية في الجامعات العالمية لم يكن امتدادًا تاريخيًا، بل تعبيرًا عن إدراك عميق بأن التحول التعليمي يبدأ من إنتاج المعرفة التي تفسر التعلم وتعيد تشكيل سياساته. ولهذا لم تعد كليات التربية في هذه الجامعات مجرد وحدات للإعداد المهني، بل مراكز تفكير وبحث تسهم في قراءة التحولات التعليمية وصناعة الاستجابات القادرة على توجيه مستقبل التعليم.
ومن هنا يبدو السؤال السعودي أعمق من مجرد عدد الكليات التي ستبقى أو تُدمج. فإعادة التنظيم ليست المشكلة بحد ذاتها؛ إذ إن النظم الجامعية المتقدمة تراجع باستمرار هياكلها وبرامجها ومساراتها الأكاديمية. لكن القضية الجوهرية لا تتعلق بمصير وحدات أكاديمية داخل الجامعة، بل بموقع المعرفة التربوية داخل مشروع التحول الوطني، وبالكيفية التي يُعاد بها تعريف وظيفة كليات التربية في التعليم والتنمية.
حين تُختزل هذه الكليات في برامج إعداد المعلم فقط، تصبح عرضة للتقليص كلما تغيرت نماذج الإعداد أو انتقلت بعض البرامج إلى مسارات أخرى. أما حين يُعاد النظر إليها باعتبارها رافعة وطنية لقيادة التحول التعليمي، فإن دورها يتجاوز حدود البرامج المهنية التقليدية، لتصبح مؤسسات تُنتج الرؤى التربوية، وتفسر التحولات التعليمية، وتسهم في التطوير المستدام.
وتزداد أهمية هذا التحول في ظل التغيرات التي يشهدها التعليم السعودي اليوم؛ بدءًا من التوسع في التقويم والاختبارات الوطنية والدولية، وتحليل البيانات التعليمية، وتطوير المناهج، والتوسع في الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي، ووصولًا إلى بناء نماذج جديدة للتطوير المهني والقيادة المدرسية. ولا تحتاج هذه التحولات إلى إدارات تنفيذية فحسب، بل إلى مؤسسات أكاديمية تمتلك القدرة على البحث التطبيقي، وتحليل أثر السياسات التعليمية، وقراءة المتغيرات التي تعيد تشكيل التعلم عالميًا.
ويتيح هذا التحول لكليات التربية في السعودية أن تؤدي أدوارًا أكثر تأثيرًا؛ مراكز وطنية لعلوم التعلم، وبيوت خبرة للسياسات التعليمية، وحاضنات للتطوير المهني المستدام للمعلمين والقيادات التعليمية. كما يمكن أن تسهم في بناء قراءة وطنية متقدمة لنتائج الاختبارات الوطنية والدولية، وربطها بتطوير المناهج وإعداد المعلم وتحسين البيئة التعليمية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالحفاظ على كليات التربية بصورتها التقليدية، بل بإعادة تعريف موقعها داخل الجامعة والمنظومة الوطنية معًا. فبقاء هذه الكليات في الجامعات المتقدمة لم يكن مجرد امتداد تاريخي، بل لأنها تمثل أحد المرتكزات التي تسهم في تطوير الإنسان والنظام التعليمي.
وفي ظل التحول الذي تشهده المملكة اليوم، قد لا يكون السؤال الحقيقي: كم كلية تربية ينبغي أن تبقى؟ بل: من سيقود إنتاج المعرفة التربوية الوطنية، ويفسر تحولات التعلم، ويسهم في بناء السياسات التعليمية القائمة على الأدلة؟ فالدول التي تقود التعليم لا تكتفي بإدارة أنظمته، بل تمتلك مؤسسات تنتج العقل التربوي القادر على تفسير التحولات وصناعة المستقبل.
• أستاذ القيادة التربوية• مدير عام التعليم بمنطقة مكة سابقًا

كاتب المقال

صحفي متخصص في الشأن السعودي أكتب من 15 سنة وأعمل بالعديد من المواقع في جميع المجالات وانقل الأخبار بحيادية تامة وأفضل الكتابة في الموضوعات الإخبارية سواء علي المستوي المحلي أو العالمي واعشق السفر والتنقل والسيارات وأحب الإطلاع على كل جديد