إيران توسّع خريطة التهديد.. والخليج يقارن كلفة الحرب والحصار
تتحدث طهران عن مضيق هرمز بوصفه ساحة بحرية أوسع، لا ممرا مائيا ضيقا، لاختبار حدود القوة والردع في الخليج.
ففي خطوة بدت أقرب إلى إعادة تعريف سياسي وعسكري للمضيق، أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني توسيع نطاق ما تعتبره “منطقة عمليات” بحرية، ليمتد من جاسك شرقا إلى جزيرة سيري غربا. وبهذا المعنى، لم يعد هرمز في الخطاب الإيراني مجرد نقطة اختناق ملاحية بين ضفتي الخليج وخليج عمان، وإنما مجالا للضغط والتحكم بإيقاع التوتر.
وتكمن حساسية هذا التحول في أن مضيق هرمز من أهم شرايين الطاقة في العالم. فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مر عبره في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية، بما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي. كما عبر من خلاله نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، معظمها من قطر. وتقول وكالة الطاقة الدولية إن المضيق استقبل في 2025 قرابة 15 مليون برميل يوميا من صادرات الخام وحدها، أي نحو ثلث تجارة الخام العالمية.
وجاء التصريحات بعد أيام من نشر الحرس الثوري خريطة جديدة لمنطقة يقول إنها خاضعة لسيطرته، تحدد خطا شرقيا بين جبل مبارك في إيران والفجيرة في الإمارات، وخطا غربيا بين جزيرة قشم الإيرانية وأم القيوين.
بالنسبة إلى مراقبين خليجيين، تحمل الخريطة رسالة تشير إلى رغبة إيرانية في نقل الضغط من داخل مضيق هرمز إلى محيطه الأوسع، بما يشمل الممرات البديلة والموانئ التي بنت عليها بعض دول الخليج جزءا من استراتيجيتها لتقليل الاعتماد على المضيق.
يقول الدكتور ظافر العجمي، المحلل السياسي والعسكري، إن الخريطة الإيرانية “تصعيد نفسي وإعلامي أكثر من كونها تحولا عسكريا فعليا”، لكنها في الوقت نفسه تعكس رغبة طهران في إبقاء المنطقة تحت ضغط أمني دائم.
ويشير الكاتب والمحلل السياسي، الخبير في المنازعات الدولية، سعد الحامد إلى أن إدراج الفجيرة في نطاق التهديد يحمل دلالة خاصة، لأن الإمارة ظلت خلال السنوات الماضية أحد أهم البدائل الاستراتيجية لتصدير الطاقة بعيدا عن هرمز. وبذلك، تريد طهران القول إن أي طريق بديل “لن يكون خارج دائرة الضغط الإيراني”.
وتكتسب الفجيرة أهمية خاصة لأنها تقع على خليج عمان، خارج مضيق هرمز، وتستخدمها الإمارات منذ سنوات كمنفذ بديل لتصدير جزء من نفط أبوظبي عبر خط أنابيب يربط حقول حبشان بميناء الفجيرة. كما تحول الميناء إلى عقدة مهمة في سوق النفط والوقود، ومركز رئيسي لتزويد السفن بالوقود. لذلك فإن إدراج الفجيرة في نطاق التهديد الإيراني يستهدف فكرة “البدائل الآمنة” بقدر ما يستهدف ميناء إماراتيا بعينه.
ويميز الحامد بين قدرة إيران على تعطيل الملاحة أو رفع كلفتها، وبين امتلاك سيطرة كاملة على الممرات البحرية. فإيران، كما يقول، لديها أدوات ميدانية قادرة على تهديد السفن، من الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة إلى الصواريخ الساحلية والألغام البحرية، إضافة إلى شبكة من الحلفاء والوكلاء. غير أن فرض سيطرة طويلة على ممر دولي بهذا الحجم قد يدفع نحو تدويل الأزمة وتوسيع المواجهة.
وتستند طهران في هذا النوع من الضغط إلى ما يصفه خبراء الأمن البحري بـ”الحرب غير المتماثلة”: زوارق سريعة، ألغام بحرية، طائرات مسيّرة، وصواريخ ساحلية، لا تهدف بالضرورة إلى خوض معركة بحرية تقليدية، وإنما إلى رفع كلفة العبور، وإرباك الأسواق، وإجبار القوى الكبرى على التعامل مع إيران كطرف قادر على تعطيل الحسابات الإقليمية والدولية. وقد حضرت هذه المقاربة في أزمات سابقة، منها هجمات استهدفت ناقلات نفط قرب خليج عمان عام 2019، ثم عمليات اعتراض واحتجاز سفن في سنوات لاحقة.
مع ذلك، فإن قدرة إيران على التهديد لا تمنحها حرية مطلقة في إغلاق المضيق أو التحكم به لفترة طويلة. فالمضيق ممر دولي حيوي، وأي تعطيل واسع له سيضغط على دول الخليج والغرب، وكذلك على مستوردي الطاقة في آسيا، وبينهم دول تحاول البقاء خارج المواجهة أو تحتفظ بعلاقات مع طهران. لذلك تميل استراتيجية إيران غالبا إلى خلق حالة من “التعطيل المحسوب” أو “السيطرة الانتقائية”، بما يفرض كلفة سياسية واقتصادية من دون الوصول مباشرة إلى مواجهة شاملة قد تستدعي ردا دوليا أوسع.
اقتصاد الخليج تحت الضغط
تأتي هذه التحركات في لحظة حساسة للاقتصاد العالمي. فقبل اندلاع الحرب، كانت قرابة خمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال تمر عبر مضيق هرمز، الذي يشكل البوابة الرئيسية لصادرات الطاقة من السعودية والعراق وقطر والإمارات.
وقد بدأت الكلفة الاقتصادية تظهر بوضوح أكبر. فقد حذر الدكتور سلطان بن أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي والرئيس التنفيذي لأدنوك، من أن تعطل الملاحة في المضيق قد يترك العالم أمام فجوة تقدر بمليار برميل من النفط.
وكتب الجابر عبر منصة إكس: “مليار برميل مفقودة نتيجة الابتزاز… ومع كل يوم يستمر فيه احتجاز المضيق رهينة، ترتفع التكاليف على الأسر والمزارع والمصانع والاقتصادات حول العالم”.
وفي الدوحة، قال رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره التركي هاكان فيدان، إن على إيران ألا تستخدم مضيق هرمز “كسلاح للضغط أو لابتزاز دول الخليج”.
وتبدو قطر أكثر حساسية من غيرها تجاه أي تهديد طويل للمضيق، لأن صادراتها من الغاز الطبيعي المسال تعتمد بدرجة كبيرة على هذا الطريق. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن قطر صدرت في 2024 نحو 9.3 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز الطبيعي المسال عبر هرمز، مقابل نحو 0.7 مليار قدم مكعبة يوميا من الإمارات، ما يجعل أمن المضيق جزءا مباشرا من أمن سوق الغاز العالمي، إلى جانب سوق النفط.
يقول الكاتب والمحلل السياسي مساعد المغنم إن دول الخليج لا تزال تدير التصعيد بمنطق “الاحتواء الحذر”، لأنها تدرك أن أي انفجار عسكري واسع في مياه الخليج سيصيب اقتصادات المنطقة مباشرة، عبر ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتعطل سلاسل الإمداد، وتراجع عائدات النفط والغاز.
ويرى المغنم أن تمسك دول الخليج بالدبلوماسية يعكس قراءة دقيقة لكلفة المواجهة. لكنه يضيف أن تصاعد التهديدات، من هرمز إلى باب المندب وبحر العرب، يدفع بعض دول المنطقة إلى تعزيز ترتيباتها الأمنية البحرية، من خلال توسيع التعاون مع التحالفات الدولية، وتكثيف التنسيق الدفاعي والاستخباراتي مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وتطوير قدرات حماية الموانئ والممرات الحيوية.
وبحسب المغنم، فإن هذا المسار يشير إلى انتقال تدريجي نحو “ردع نشط” يحمي المصالح الاقتصادية ويمنع تحول الخليج إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
في واشنطن، يتسع القلق مع اتساع نطاق التهديدات البحرية. فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، إنه يدرس إعادة تفعيل “مشروع الحرية” بصيغة أوسع، لا تقتصر على مرافقة السفن التجارية عبر المضيق. ويفتح ذلك الباب أمام احتمال انخراط أميركي أكبر في حماية خطوط الملاحة.
وللولايات المتحدة تاريخ طويل في حماية الملاحة في الخليج عند تصاعد التوتر مع إيران. ففي 2019، قادت واشنطن ترتيبات أمنية بحرية عُرفت باسم “عملية الحارس” أو Operation Sentinel، بعد سلسلة هجمات على ناقلات قرب الخليج وخليج عمان. غير أن أي عودة إلى مرافقة السفن اليوم ستكون أكثر حساسية، لأنها ستجري في بيئة حرب أوسع، حيث يمكن لأي احتكاك بحري أن يتحول بسرعة إلى مواجهة مباشرة.
ورغم نجاح عدد من ناقلات النفط خلال الأيام الماضية في عبور المضيق، فإن ذلك لم يبدد القلق. فالملاحة لا تزال تجري في بيئة هشة، تحت تهديد هجمات محتملة بالطائرات المسيّرة أو المقذوفات، وفي ظل حضور عسكري كثيف للحرس الثوري على امتداد الممرات البحرية.
خيارات الخليج: دبلوماسية مكلفة أم ردع محسوب؟
رغم أن بعض دول الخليج استثمرت في موانئ وخطوط أنابيب لتقليل الاعتماد على هرمز، تبقى البدائل محدودة. فالسعودية تملك خط أنابيب شرق-غرب إلى البحر الأحمر، بينما تستخدم الإمارات خط حبشان-الفجيرة لنقل جزء من نفط أبوظبي إلى خليج عمان. غير أن هذه المسارات لا تستطيع تعويض كامل الصادرات الخليجية، ولا تحل مشكلة الغاز الطبيعي المسال القطري، الذي يبقى أكثر ارتباطا بالمضيق. لذلك فإن أي اضطراب طويل في هرمز يتحول بسرعة من أزمة شحن إلى أزمة طاقة عالمية.
لهذا السبب، يبقى السؤال الأصعب بالنسبة لدول الخليج هو كيف يمكن ردع إيران من دون دفعها إلى ضرب منشآت النفط والموانئ والمدن الساحلية، وكيف يمكن حماية التجارة من دون تحويل الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة.
يرى العجمي أن دول الخليج تتحرك اليوم بين ثلاثة خيارات: انتظار دبلوماسي مكلف، أو تنسيق أمني غير معلن مع القوى الكبرى، أو حرب غير مضمونة النتائج.
وبرأيه، سيبقى الخيار الأول هو الأرجح ما دامت كلفة الحرب أكبر من الخسائر الاقتصادية اليومية. ويقول إن دول الخليج، رغم ما تتكبده من خسائر، تخشى أن تؤدي المواجهة العسكرية إلى تهديد مباشر لبنيتها التحتية ومنشآتها النفطية.
ويستحضر العجمي هجمات أرامكو عام 2019 بوصفها نموذجا حاضرا في حسابات الأمن الخليجي. فالمخاوف لا تتعلق بتعطل الملاحة وحده، بل باحتمال استهداف منشآت حساسة مثل رأس تنورة، والشعيبة، والأحمدي، وبقيق، وزاكوم بصواريخ كروز أو طائرات مسيّرة.
ويقول العجمي إن بعض دول الخليج قد تنضم إلى تحالفات بحرية تقودها الولايات المتحدة أو قوى أوروبية، لكن على الأرجح بصورة محدودة، عبر الدعم الاستخباراتي واللوجستي، لا عبر انخراط مباشر في القتال. فأي عملية لكسر السيطرة الإيرانية على الممرات البحرية، كما يقول، ستعد عمليا إعلان حرب على إيران، وهو خيار لا يزال مستبعدا ما لم تتحرك قوى دولية كبرى بشكل مباشر.
كما لا يستبعد العجمي أن تلجأ دول الخليج إلى أدوات ضغط اقتصادية، مثل تجميد أصول أو وقف تجارة غير مباشرة مع إيران، بدلا من الدخول في مواجهة عسكرية. لكنه يرى أن المعادلة قد تتغير إذا امتد التهديد فعليا إلى ميناء الفجيرة أو غيره من الموانئ الخليجية الحيوية.
ويشير إلى أن أي تدخل عسكري خليجي سيواجه صعوبات كبيرة. فرغم الإنفاق الضخم على التسليح، لا تزال دول الخليج تعتمد على التقنيات الغربية، بينما تملك إيران موقعا جغرافيا يمنحها أفضلية على الساحل الشمالي للمضيق، إضافة إلى ترسانة من الصواريخ المضادة للسفن والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة.
أما الحامد، فيرى أن السيناريو الأقرب يتمثل في مساهمة خليجية ضمن عمليات حماية الملاحة البحرية ومرافقة الناقلات، إلى جانب التعاون الاستخباراتي واستخدام التسهيلات العسكرية عند الحاجة، إضافة إلى التنسيق الدفاعي الجوي والبحري مع القوى الغربية.
ويقول إن حذر دول الخليج من الانخراط المباشر في مواجهة مع إيران مفهوم، بسبب القرب الجغرافي، واعتماد اقتصادات المنطقة على الاستقرار التجاري، وخشيتها من استهداف منشآتها النفطية والحيوية. لكنه يؤكد أن هذا الحذر لا يلغي القدرة العسكرية، إذ تمتلك دول الخليج إمكانات دفاعية يمكن أن توجه ضربات مؤلمة إذا فرضت الظروف ذلك.
ويقول المغنم إن استمرار التهديدات وتحولها إلى ضغط مباشر على الاستقرار الداخلي، من خلال التضخم والضغط على الموازنات وتعطيل مشاريع التنمية، قد يدفع بعض الدول الخليجية إلى مواقف أكثر صرامة.
في المحصلة، يتجاوز التحدي حدود الأمن البحري إلى الاقتصاد والتنمية: كيف تحمي دول الخليج شريان الطاقة والتجارة من دون أن تنزلق إلى حرب قد تكون كلفتها أكبر من الحصار نفسه.

