الدولار الأمريكي وخطر تفكك استقلال الاحتياطي الفيدرالي وتأثيره على الاقتصاد العالمي
على العالم أن يستعد جيدًا لتداعيات تفكك استقلال الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث قد لا تكون خسائر الدولار الأمريكي جراء هذه المرحلة مجرد آثار جانبية، بل قد تشكل جزءاً من نية استراتيجية متعمدة. الهجوم السياسي اليومي الذي شنه الرئيس دونالد ترمب على البنك المركزي الأمريكي يعكس رغبته الصريحة في ممارسة نفوذ سياسي أوسع على الاحتياطي الفيدرالي من أي رئيس أمريكي منذ السبعينيات، ما يضع مستقبل الدولار وقوة اقتصاده في دائرة من القلق.
تفاصيل أزمة استقلال الاحتياطي الفيدرالي وخطط ترمب لتغيير مجلس الإدارة
يربط الكثيرون بين إقالة ليزا كوك من مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، والتي جاءت على خلفية مزاعم احتيال في الرهن العقاري تعود لمرحلة ما قبل انضمامها، بمحاولات واضحة لتغيير التركيبة السياسية للمجلس. يثير هذا الإجراء جدلاً قانونيًا وسياسيًا واسعًا، خاصة أن مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي يتألف من سبعة أعضاء يتمتعون بفترات خدمة تمتد لأربعة عشر عامًا، مما يجعل شاغر المنصب فرصة سانحة لترمب لتعيين أكثر الموالين لأجندته الاقتصادية والسياسية.
إذا تمكن ترمب من إقالة كوك، فمن المتوقع أن يحصل على أغلبية في المجلس خلال العام المقبل، حيث يشغل بالفعل اثنان من الموالين، وهناك منصب شاغر يشغله مستشاره الاقتصادي ستيفن ميران. كما أن مقعد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول سيكون شاغراً للتنافس عليه في مايو، ما يزيد من فرص ترمب في الهيمنة على القرارات النقدية الأمريكية. إضافة إلى ذلك، يركز الرئيس على إعادة تعيين رؤساء الاحتياطي الفيدرالي الإقليميين، الذين يمثلون الاثني عشر عضواً المتبقين في مجلس صنع السياسة النقدية، حيث تنتهي فترات خدمتهم الخمسية في فبراير ويحتاج تعيينهم إلى موافقة المجلس.
خطة ترمب لخفض أسعار الفائدة وتأثيرها على الدولار الأمريكي
تسعى إدارة ترمب إلى خفض أسعار الفائدة بأكثر من ثلاث نقاط مئوية، لتصل إلى نحو 1%، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى هبوط كبير في قيمة الدولار إذا نجحت الخطة حتى بشكل جزئي. يُعتبر انخفاض قيمة الدولار هدفًا واضحًا للحكومة، التي ترى أن قيمته نقدية مفرطة تعيق جهود كبح العجز في الميزانية وإنعاش الصناعة الوطنية. مستشار ترمب الاقتصادي، ستيفن ميران، عبر بشكل موسع عن هذا الرأي، وحظي بتأييد الرئيس الذي ينظر إلى استمرار إضعاف العملة الأمريكية كأداة لتعزيز الصادرات الأمريكية وتقليل تكاليف الدين الوطني.
يحذر المحللون من أن هذه الخطوة تعبر عن إعادة تسييس عميقة في دور البنك المركزي، ما قد يثير مخاوف المستثمرين ويهدد الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد، خصوصًا مع استمرار الضغوط السياسية التي تتحدى استقلالية البنك المركزي.
تداعيات تفكك استقلال الاحتياطي الفيدرالي على الأسواق العالمية والدولار الأمريكي
وفقًا لتحليلات استراتيجية من جيفريز، يمثل الصراع السياسي حول إقالة أعضاء الاحتياطي الفيدرالي توسيعًا غير مسبوق للسلطة التنفيذية، ما قد يفتح الباب أمام إقالة جيروم باول أو رؤساء الاحتياطي الفيدرالي الإقليميين الآخرين، خصوصًا الذين يعارضون توجهات الإدارة، وهو ما يزيد من مخاطر اضطراب الأصول الأمريكية.
وأوضح المحللون أن المخاطر تشمل بشكل خاص “عدم تجديد أو إقالة رؤساء المناطق”، خاصة المناهضين للسياسة الحكومية الجديدة، حيث تجلت هذه الديناميكية حينما امتنع أعضاء مجلس إدارة ترمب، ميشيل بومان وكريستوفر والر، عن التصويت لمستشار أوباما السابق أوستان جولسبي كرئيس للبنك في شيكاغو عام 2023.
أما الأسواق المالية، فقد واصلت الهدوء نسبيًا رغم التدخل السياسي في عمل الاحتياطي الفيدرالي، لكن الخبراء يحذرون من أن تأثير الضغط السياسي المتزايد سيؤدي إلى ضعف الثقة باستقلال البنك وارتفاع توقعات التضخم، كما يُظهر ذلك منحنى العائد للسندات الأمريكية، حيث يشهد الانحدار من عامين إلى ثلاثين عامًا ارتفاعًا ملحوظًا، في إشارة إلى المحللين بأن السوق يتوقع تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة خلال العام المقبل مصحوبة بتوقعات تضخم مرتفعة على المدى البعيد.
العامل | التأثير المحتمل |
---|---|
انخفاض استقلال الاحتياطي الفيدرالي | زيادة المخاطر على الأصول الأمريكية وضعف الثقة |
خفض أسعار الفائدة إلى 1% | هبوط كبير في قيمة الدولار وتعزيز الصادرات الأمريكية |
توقعات التضخم المرتفعة | زيادة العوائد على السندات ونمو التضخم المستقبلي |
يواجه الدولار الأمريكي أسوأ مزيج اقتصادي هذا العام، حيث خسر قرابة 10% من قيمته مقابل سلة من العملات الرئيسية، ما يضعف العوائد قصيرة الأجل ويقوّض القدرة الشرائية على المدى الطويل. في المقابل، قد تستفيد الشركات الأمريكية من ضعف الدولار وتخفيف سياسات الاحتياطي الفيدرالي، إذ يُمكن أن يزيد ذلك تنافسية الصادرات الأمريكية عالميًا، ويحفز النمو الاقتصادي المحلي. لكن هذا السيناريو لا يبعث على الطمأنينة للمستثمرين الأجانب في وول ستريت، إذ يظل احتمال تراجع إضافي يتراوح بين 10 و20% قائمًا.
- ضعف الدولار قد يُفاقم أعباء الرسوم الجمركية المفروضة من قبل إدارة ترمب
- محافظو البنوك المركزية العالمية يعبرون عن قلقهم إزاء فقدان استقلال الاحتياطي الفيدرالي
- عدم وجود خطة واضحة لمواجهة تداعيات انخفاض الدولار على اقتصاداتهم
الواقع أن تحركات الدولار الأخيرة وانخفاضه المتوقع ليست مجرد نتائج غير مقصودة للتوترات السياسية، بل تحمل في طياتها نوايا واضحة لتحويل السياسة النقدية في الولايات المتحدة، ويبدو أن البيت الأبيض يتبنى هذا التوجه بحماس، رغم المخاطر التي قد تترتب على الأسواق العالمية وثقة المستثمرين، في مشهد يعكس صراعات على استقلالية السياسة النقدية الأمريكية ومآلات الدولار في الاقتصاد العالمي.