سعر الصرف في سوريا: من هاجس قلق إلى باعث أمل… استقرار الليرة يبدأ من الإنتاج
منذ انتصار الثورة السورية في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، انشغل السوريون بمناقشة جملة واسعة من القضايا السياسية والاقتصادية المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب، وكان سعر الصرف في مقدمة هذه القضايا نظراً لارتباطه المباشر بمستويات المعيشة والأسعار والاستثمار والثقة بالاقتصاد الوطني.
وخلال هذه الفترة، طُرحت عشرات التفسيرات والتحليلات التي حاولت تفسير تقلبات سعر الصرف وأسبابها، غير أن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في إعادة توصيف المشكلات بقدر ما يكمن في الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة البحث عن الحلول. فبعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب والاستنزاف الاقتصادي، لم يعد السؤال الأهم: لماذا ارتفع سعر الصرف أو انخفض؟ بل كيف يمكن تحويل الموارد والإمكانات المتاحة إلى قوة إنتاجية قادرة على دعم التعافي الاقتصادي وتحقيق الاستقرار النقدي المستدام؟
وفي هذا السياق، برزت خلال المرحلة الانتقالية قضية استبدال العملة المتداولة باعتبارها أحد أهم المتغيرات النقدية المؤثرة في السوق. فمن الناحية النظرية، تهدف عمليات استبدال العملة إلى إعادة تنظيم الكتلة النقدية المتداولة، وتعزيز قدرة السلطات النقدية على إدارة السيولة وتحسين كفاءة السياسة النقدية.
غير أن نجاح هذه العمليات يرتبط عادة بوضوح أهدافها، ودقة تقدير حجم الكتلة النقدية المستهدفة، والالتزام بإطار زمني محدد وواضح للتنفيذ. كما أن إطالة فترات الاستبدال أو تمديدها بصورة متكررة قد تسهم في زيادة حالة الترقب وعدم اليقين لدى المتعاملين، وتحد من قدرة السوق على تكوين توقعات مستقرة، فضلاً عن احتمال إتاحة المجال لبعض السلوكيات المضاربية أو محاولات تدوير الكتل النقدية خارج الأهداف التي صُممت العملية لتحقيقها.
ومع ذلك، تبقى عملية استبدال العملة أداة نقدية وإدارية مهمة، لكنها لا تستطيع بمفردها تحقيق استقرار مستدام في سعر الصرف ما لم تترافق مع زيادة الإنتاج والاستثمار والتشغيل وتوليد موارد حقيقية من العملات الأجنبية، وهي العوامل التي تشكل الأساس الحقيقي لقوة أي عملة وطنية.
ومن هذا المنطلق، لا يناقش هذا المقال سعر الصرف باعتباره رقماً يتغير يومياً في السوق، بل باعتباره انعكاساً لمسار اقتصادي أشمل يرتبط بالإنتاج والاستثمار والتشغيل وتعبئة الموارد الوطنية.
سعر الصرف والبطالة: وجهان لاختلال الاقتصاد الحقيقي
من أكثر الأخطاء شيوعاً اختزال المشكلة الاقتصادية في سعر الصرف، وكأن ارتفاع الدولار أو انخفاضه هو أصل الأزمة. والحقيقة أن سعر الصرف يمثل انعكاساً لقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات وتوليد العملات الأجنبية.
فكلما توسع الإنتاج وازدادت الصادرات وتحسنت بيئة الاستثمار، تعززت قوة العملة الوطنية بصورة طبيعية. أما عندما يتراجع الإنتاج وتتسع دائرة البطالة، فإن الضغوط على سعر الصرف تصبح نتيجة متوقعة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار والمستثمر والمواطن على حد سواء ليس: كيف نخفض سعر الدولار؟ بل: كيف نرفع قدرة الاقتصاد السوري على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات وتوليد موارد مستدامة من العملات الأجنبية؟
فاستقرار سعر الصرف لا يتحقق بملاحقة النتائج، وإنما بمعالجة الأسباب العميقة التي تقف خلفها، وفي مقدمتها الإنتاج والتشغيل والاستثمار.
جوهر التحدي الاقتصادي السوري
على الرغم من أهمية العوامل النقدية والمالية في تفسير تقلبات سعر الصرف، إلا أن التحدي الاقتصادي الأعمق في سوريا يتجاوز حدود السياسة النقدية ليطال جوهر العملية التنموية ذاتها.
فالمشكلة الأساسية لا تتمثل في ندرة الموارد، بل في محدودية القدرة على تعبئة الموارد المتاحة وتوجيهها نحو الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية.
وبعبارة أكثر وضوحاً:
الأزمة الحقيقية ليست أزمة سعر صرف بالمعنى النقدي الضيق، بل أزمة توظيف اقتصادي للموارد المتاحة، أو ما يمكن وصفه بأزمة إدخال الموارد المعطلة إلى دائرة الإنتاج.
فسوريا تمتلك رأس مال بشرياً مؤهلاً، ومدخرات ورؤوس أموال كبيرة، وأصولاً إنتاجية قابلة لإعادة التشغيل، إضافة إلى موارد طبيعية وموقع جغرافي يمنحها مزايا اقتصادية مهمة. إلا أن جزءاً مهماً من هذه الموارد لا يزال خارج الدورة الاقتصادية الفاعلة نتيجة تراكم آثار الحرب وارتفاع مستويات المخاطر وضعف الثقة.
ومن هنا، فإن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بمدى القدرة على نقل هذه الموارد من حالة التعطل أو الترقب إلى حالة الإنتاج والاستثمار.
من التنظير إلى التنفيذ
إذا كانت المشكلة الأساسية تتمثل في بقاء جزء مهم من الموارد الاقتصادية خارج دائرة الإنتاج، فإن الأولوية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على إزالة العوائق التي تمنع هذه الموارد من الدخول إلى النشاط الاقتصادي المنتج.
ويبدأ ذلك بإعادة تشغيل المنشآت والمشروعات المتوقفة قبل التوسع في إنشاء مشروعات جديدة، وتحويل المدخرات المحلية والخارجية إلى استثمارات منتجة عبر توفير بيئة أعمال أكثر استقراراً ووضوحاً، إضافة إلى إعطاء الأولوية للقطاعات الأسرع في خلق فرص العمل وتوليد القطع الأجنبي، وفي مقدمتها الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية والسياحة والنقل والخدمات اللوجستية.
كما تمثل الكفاءات ورؤوس الأموال السورية في الخارج أحد أكبر الأصول الاقتصادية غير المستثمرة بالشكل الكافي، الأمر الذي يستدعي توفير أدوات استثمارية آمنة وشفافة قادرة على استقطاب هذه الطاقات نحو مشاريع إنتاجية داخل البلاد.
وباختصار، فإن الطريق إلى استقرار سعر الصرف لا يمر أولاً عبر سوق القطع الأجنبي، بل عبر زيادة عدد المنشآت العاملة والاستثمارات المنتجة وفرص العمل والمصدرين القادرين على توليد موارد حقيقية ومستدامة من العملات الأجنبية.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية مضاعفة في المرحلة الراهنة، في ضوء ما يمكن وصفه بنافذة الفرصة الاقتصادية المتاحة أمام سوريا اليوم التي فُتحت بعد رفع العقوبات الاقتصادية. فالتجارب الدولية تؤكد أن فرص التعافي لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، وأن نجاحها يرتبط بمدى القدرة على تحويل الثقة إلى استثمار، والموارد المعطلة إلى قيمة مضافة حقيقية.
أي نظام لسعر الصرف تحتاجه سوريا؟
في ضوء التجارب الدولية والظروف السورية الحالية، يبدو أن نظام التعويم المدار لسعر الصرف (Managed Float Exchange Rate Regime) يمثل الخيار الأكثر واقعية خلال المرحلة الانتقالية.
فالتثبيت الكامل يتطلب احتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية وقدرة مستمرة على التدخل في السوق، بينما قد يؤدي التعويم الحر الكامل إلى تقلبات حادة ومضاربات واسعة النطاق في اقتصاد لا يزال يتعافى من آثار حرب طويلة.
أما التعويم المدار فيوفر قدراً من المرونة يسمح للسوق بالتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية، مع احتفاظ المصرف المركزي بإمكانية التدخل عند الضرورة للحد من التقلبات الحادة والمضاربات غير المبررة اقتصادياً.
غير أن نجاح هذا النظام لا يعتمد على السياسة النقدية وحدها، بل يرتبط بقدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج والصادرات وجذب الاستثمارات وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية بصورة تدريجية.
ماذا تعلمنا من تجارب الدول الخارجة من الحروب؟
ليست سوريا أول دولة تواجه تحديات إعادة بناء اقتصادها واستعادة الاستقرار النقدي بعد حرب طويلة. فقد أظهرت تجارب ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وفيتنام بعد عقود من الصراع، ورواندا بعد واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في العصر الحديث، أن التعافي الاقتصادي لم يبدأ من استقرار سعر الصرف بحد ذاته، بل من إعادة تشغيل الاقتصاد الحقيقي وتحفيز الإنتاج والاستثمار واستعادة الثقة بالمؤسسات.
ورغم اختلاف الظروف بين هذه الدول، فإن القاسم المشترك بينها كان واضحاً: زيادة الإنتاج، وتعبئة الموارد الوطنية، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وهي العوامل التي مهدت لاحقاً لاستقرار العملة وتحسن المؤشرات النقدية والمالية.
نحو عقد اقتصادي جديد
لقد أثبتت التجارب الاقتصادية أن نقطة التحول في الدول الخارجة من الحروب تبدأ عندما تنتقل من إدارة الأزمات اليومية إلى إدارة التنمية طويلة الأجل، ومن التركيز على معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب العميقة للمشكلات الاقتصادية.
وفي الحالة السورية، قد لا يكون السؤال الأهم خلال السنوات القادمة: كم أصبح سعر الدولار؟ بل: كم مصنعاً عاد إلى العمل؟ وكم فرصة عمل تم خلقها؟ وكم مشروعاً استثمارياً دخل مرحلة الإنتاج؟ وكم دولاراً دخل البلاد نتيجة الإنتاج والتصدير والاستثمار بدلاً من المضاربة؟
ففي نهاية المطاف، لا تعاني سوريا اليوم من ندرة الموارد بقدر ما تعاني من ضعف توظيفها اقتصادياً. ومن هنا، فإن المعركة الاقتصادية الحقيقية ليست بين الليرة والدولار، بل بين البطالة والعمل، وبين رأس المال المعطل ورأس المال المستثمر، وبين اقتصاد يستهلك موارده واقتصاد يوظفها بكفاءة.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن العملات لا تستمد قوتها من المصارف المركزية وحدها، بل من المصانع التي تنتج، والحقول التي تزرع، والموانئ التي تصدّر، والعمال الذين يعملون، والمستثمرين الذين يثقون بالمستقبل.
وعندما تنجح سوريا في إعادة مواردها البشرية والمالية والطبيعية إلى دائرة الإنتاج، فإن الليرة السورية لن تستعيد استقرارها فحسب، بل ستتحول إلى انعكاس حقيقي لاقتصاد يتعافى، ومجتمع يستعيد ثقته بالمستقبل، ودولة تستعيد مكانتها الاقتصادية والتنموية.
وأخيراً، فإن الحقيقة التي لا تقبل الجدل، وتؤكدها تجارب الأمم الناجحة في التعافي الاقتصادي، هي أن استقرار الليرة لا يبدأ من سوق الصرف، بل من الاقتصاد الحقيقي؛ يبدأ من الإنتاج، ويترسخ بالاستثمار، ويستدام بالعمل، ويُبنى بالثقة.
د. أمير العبد الله

