في قلب الأرض.. حرارة تنافس سطح الشمس وتحمي الحياة على الكوكب | علوم
Published On 24/5/202624/5/2026|آخر تحديث: 18:30 (توقيت مكة)آخر تحديث: 18:30 (توقيت مكة)رغم أن البشر لم يتمكنوا يوما من الوصول إلى أعماق الأرض السحيقة، فإن العلماء باتوا يمتلكون تصورا مذهلا عن العالم المشتعل المختبئ تحت أقدامنا، حيث تصل حرارة لُب الأرض (Earth’s Core) إلى مستويات تقارب حرارة سطح الشمس نفسها.ووفق تقديرات العلماء، تبلغ حرارة المنطقة الفاصلة بين اللب الداخلي واللب الخارجي نحو 5 آلاف إلى أكثر من 5500 درجة مئوية، وهي درجات حرارة كافية لصهر معظم المواد المعروفة على سطح الأرض.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listويتكون لب الأرض من طبقتين رئيسيتين؛ الأولى هي اللب الخارجي السائل الذي يبدأ على عمق يقارب 2900 كيلومتر تحت السطح ويمتد لمسافة 2200 كيلومتر، والثانية هي اللب الداخلي الصلب الذي يبدأ على عمق 5150 كيلومترا تقريبا ويبلغ نصف قطره نحو 1220 كيلومترا.
كيف عرف العلماء حرارة مركز الأرض؟
ولأن الوصول المباشر إلى لب الأرض مستحيل عمليا، اضطر العلماء إلى إعادة تكوين ظروف باطن الكوكب داخل المختبر. ومن أشهر التقنيات المستخدمة ما يُعرف بـ”خلايا السندان الماسي” (Diamond Anvil Cells)، حيث توضع عينة صغيرة جدا من الحديد بين طرفي قطعتين من الألماس، ثم تُعرّض لضغط هائل يصل إلى ملايين أضعاف الضغط الجوي، محاكيا الضغوط الموجودة في أعماق الأرض. وبعد ذلك تُسلّط أشعة ليزر قوية على العينة لرفع حرارتها إلى آلاف الدرجات المئوية.ومن خلال مراقبة اللحظة التي يبدأ فيها الحديد بالانصهار أو يبقى فيها صلبا، تمكن الباحثون من تقدير درجات الحرارة داخل اللب، واكتشفوا أن الضغط الهائل يرفع نقطة انصهار الحديد بشكل كبير، ما يفسر بقاء اللب الداخلي صلبا رغم حرارته الهائلة.في خلية السندان الماسي توضع العينة بين طرفي ماستين صغيرتين ثم تُضغط بقوة هائلة بواسطة براغ معدنية (مختبر المسرّع الوطني)ولم تقتصر الأبحاث على هذه التقنية فقط، بل استخدم العلماء أيضا تجارب “الموجات الصدمية” (Shock Wave Experiments) عبر إطلاق مقذوفات فائقة السرعة أو نبضات ليزر ضخمة على عينات الحديد لتوليد ضغوط وحرارة لحظية تشبه ما يحدث في أعماق الأرض.وتُستخدم أجهزة تصوير وأشعة سينية فائقة السرعة لتحليل استجابة الحديد خلال أجزاء من الثانية، ومعرفة كيف تتغير حالته الفيزيائية وبنيته البلورية تحت تلك الظروف القصوى. وقد أسهمت هذه التجارب في تحسين فهم العلماء لطبيعة اللب الأرضي، وكيفية توليد المجال المغناطيسي الأرضي، بل وحتى فهم البنية الداخلية للكواكب الصخرية الأخرى مثل المريخ وعطارد.
حرارة عمرها 4.5 مليار سنة
يرتبط هذا الجحيم الداخلي بتاريخ نشأة الأرض قبل نحو 4.5 مليار سنة، عندما تشكل الكوكب من مواد منصهرة وصخور ملتهبة. وخلال تلك المرحلة، غرقت العناصر الثقيلة مثل الحديد نحو المركز، ما أدى إلى تحويل طاقة الجاذبية إلى حرارة هائلة.كما يعتقد العلماء أن اصطدام جسم بحجم المريخ تقريبا بالأرض البدائية ساهم في ضخ كميات إضافية ضخمة من الحرارة إلى أعماق الكوكب.ويشير بعض الباحثين أيضا إلى أن العناصر المشعة مثل اليورانيوم والثوريوم والبوتاسيوم ربما ما تزال تولد حرارة داخلية عبر التحلل الإشعاعي، رغم استمرار الجدل حول وجودها في الأعماق السحيقة.ويؤكد العلماء أن الأرض احتفظت بجزء كبير من حرارتها الأصلية مقارنة بالكواكب الصخرية الأخرى، وهو ما يفسر استمرار النشاط الجيولوجي حتى اليوم.
لماذا أنقذ اللب الساخن الحياة على الأرض؟
ولا تقتصر أهمية اللب الساخن على كونه ظاهرة جيولوجية مدهشة، بل إنه أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الحياة على الأرض.فاللب الخارجي السائل يولد المجال المغناطيسي الأرضي، الذي يعمل درعا واقيا ضد الرياح الشمسية والإشعاعات الكونية الخطرة.بسبب دوران اللب المعدني السائل للأرض ينشأ المجال المغناطيسي حولها فيحميها من الإشعاعات الشمسية والكونية (غيتي إيميجز)كما أن الحرارة الداخلية تحرك الصفائح التكتونية وهي العملية التي تعيد تشكيل القارات وتنقل العناصر الغذائية من أعماق الأرض إلى سطحها، ما يساعد في خلق بيئات متنوعة سمحت للحياة بالتطور والازدهار.ويقول العلماء إن فهم باطن الأرض لا يقل أهمية عن دراسة الفضاء، لأن هذا القلب الملتهب في مركز الكوكب هو ما جعل الأرض عالما صالحا للحياة حتى اليوم.



