مقاطعة إجبارية والشراء بالواحدة.. كيف التهم الغلاء موائد المصريين؟ (صور

مقاطعة إجبارية والشراء بالواحدة.. كيف التهم الغلاء موائد المصريين؟ (صور وفيديو ورسم تفاعلي)

تصوير: أحمد مسعد
تقارن أم سمير بين زمنين: “زمان كنت أنزل السوق يوم بعد يوم.. أجيب كرنب وخضار وكل حاجة، ودلوقت أنزل أجيب على القد بس”.
تعدّد السيدة الجنوبية الأسعار لـ”مصراوي” كأنها تحفظها عن ظهر قلب: “القوطة النهاردة بـ60 جنيه.. البطاطس بـ20″، بينما تتساءل: “لما أجيب كيلو قوطة بـ60 جنيه.. أأكل العيال إيه؟”.
وسط فُرش سوق الإثنين الكثيرة وحركة البيع الراكدة، تحدث “مصراوي” إليها، “بيوت كتير بقت تحسب الأكل بالحتة”، تقول أم سمير، والسبب كما قررته دون مقدمات: “كل حاجة غليت.”
في سوق الإثنين تبدو الحياة “واقفة”، إذ الزبائن معدودون والحِراك يكاد لا يُشاهد.. إقبال حذر على فُرش الخضروات ونزوح تام عن محلات الفاكهة، حتى البطيخ الفاكهة الصيفية الأشهر لم تعد كذلك.
“الناس بقت داخلة السوق تتفرج أكتر ما تشتري، الغلا كسر ضهر الكل كل حاجة غليت، مفيش حاجة زي زمان”، هكذا لخص محمد (تاجر حبوب بسوق الإثنين) حال حركة الشراء والبيع في الأيام الحالية لـ”مصراوي”.
رفع الرجل الأربعيني كفه وحسبها بالأرقام: “الـ100 جنيه زمان كانت تجيب طلبات بيت، أما النهاردة كيلو الرز اللي كان بـ7 بقى بـ30 والزيت بقى بـ90″، ثم التفت إلى البضاعة التي لم تمسها يد منذ الصباح، قائلًا: “دا شكل موسم عيد؟! كله ماشي بالعافية، وكل واحد بيصرف على قد اللي في جيبه”.
“مصراوي” يخاطب سيدة سبعينية بمزاح وسط ضجة السوق: “احكيلنا عن عيشتك يا حاجة”، بدت السيدة لطيفة محبوسة اللسان، إلا أنها قالت الجملة اللي اختصرت همومها: “الدنيا غالية.. كله غالي”.
مازحها أحد البائعين: “زمان يا حاجة كنتِ تدّيني 5 جنيه تاخدي كيلو رز وربع لوبيا.. النهاردة تدفعي كام؟” ردّت السيدة: “100 جنيه”.
وقف بائع آخر أمام محله لبيع الأسماك المملحة، ممازحًا السيدة ومخاطبًا “مصراوي”: “الست دي كانت بـ10 جنيه تاخد كيلو رنجة، النهاردة الرنجاية الواحدة بـ50 و60 جنيه”، لافتًا إلى أن الموظف لا يتمكن اعتمادًا على راتبه من العيش إلا حياة الكفاف.

على بعد أمتار يجلس أبو وحيد (تاجر خضار وأكياس بلاستيكية بسوق الإثنين) بينما يعد بعض أوراق النقود وسط هدوء يسود المكان في ظل قلّة الواردين.
“مصراوي” تحدث مع التاجر ولم يختلف كلامه كثيرًا عن جميع من تحدثوا منذ دخول السوق، “الدنيا تعبانة جدًا فوق ما تتصور، مفيش زباين.. الناس بقت تيجي تاخد على قد طاقتها وتوفّر بالعافية.”
يشير بيده ناحية البضاعة: “القوطة بـ50 وبـ60 جنيه.. تقول لي الناس هتعيش إزاي؟!”، ثم ضرب مثالًا: “الوجبة اللي كانت بـ50 جنيه بقت بـ70.. عشرين جنيه زيادة مرة واحدة”.

بينما تحكي السيدة لطيفة: “زمان الـ10 جنيه كانت تهيّصنا.. دلوقت الـ100 جنيه ما بتعملش حاجة، مشيرة إلى أن دخلها عبارة عن معاش بسيط، “باخد معاش 600 جنيه، والحمد لله”، تقصد “تكافل وكرامة”.
“زمان الست كانت تقولك: هات 5 كيلو رز و3 مكرونة وكيلو فاصوليا، دلوقتي؟ تقول لك ربع كيلو.. نص كيلو.. بـ10 جنيه وبـ20 جنيه، حتى الشيكارة اللي كانت بـ150 جنيه بقت بـ600 و700″، يقول محمد.
ويضيف: “ست البيت دلوقتي داخلة نفسها تجيب كل حاجة، بس تعمل إيه؟ الأسعار نار.. زمان كانت تيجي تملا الشنطة، دلوقتي بتفكر الأهم فالمهم.”

اقرأ أيضاً
تحذير لحاجزي سكن لكل المصريين 7 بآخر موعد لسداد الأقساط قبل تطبيق غرامات التأخير

تحذير لحاجزي سكن لكل المصريين 7 بآخر موعد لسداد الأقساط قبل تطبيق غرامات التأخير

كيف حوّل الغلاء المصريين لأجانب؟

عيد (تاجر الخضار بسوق الإثنين) يقول لـ”مصراوي” إن طريقة الزبائن تغيّرت، ليس لرغبتهم في ذلك ولكن لقلة ذات اليد، “الناس بقت تشتري بالواحدة.. بطاطستين، بصلتين، طماطمتين.. بقوا يقلدوا الأجانب” يشرح عيد.
يشير عيد إلى أن مرتادي السوق لا يشترون إلا ليوم واحد فقط، بقدر ما تسمح به جيوبهم، ويرى أن الأزمة لا تخص الفقراء وحدهم بل امتدت للطبقة الوسطى أيضًا: “الطبقة الوسطى نفسها نزلت تحت”.
أما السيدة لطيفة تقول إنها تعيش بنظام: “بجيب حوايج الفراخ، هاكل إيه يعني.. الفراخ غالية”، بدا الأمر عاديًا لها وسط اندهاش محرر “مصراوي”، بينما تتابع: “الناس بتاكل هياكل الفراخ.. ربنا يعلم بالناس”.

يسرد عيد الأسعار وكأنه يقرأ كشف حساب يومي للغلاء: “زمان البطيخة كانت بـ5 جنيه.. النهاردة البطيخة بـ100-150جنيه”، يضيف: “الخس كان بـ4 جنيه، والكابوتشا بـ4 جنيه، دلوقتي كيلو الخيار بـ20 جنيه”.
أما محمد فيقول إن ركود السوق بلغت 80% حسب تقديره، مضيفًا: “حتى تجّار الجملة واقفين مستنيين البيع”.

ماذا لو تسوقت بخمسين جنيهًا؟

نشر “مصراوي” تقريرًا عن حياة الخمسين جنيهًا ورحلتها من مبلغ “معتبر” إلى مجرد “فكّة”.
اقرأ أيضًا: من كيلو لحم إلى “فكة”.. رحلة الخمسين جنيهًا مع التعويم
طرح “مصراوي” سؤالًا على التجار والزبائن بالسوق: لو امتلك شخص 50 جنيهًا فقط بالسوق.. ماذا يفعل؟
“يديها لواحد غلبان أحسن”، يقول عيد ساخرًا، بينما يبرّر ذلك: “زمان كنت تعمل طاجن لحمة كله بـ100 جنيه.. النهاردة الطاجن عايز 1000 جنيه”.
ويقارن بين الأسعار قديمًا واليوم: “زمان البطيخة كانت بـ5 جنيه.. النهاردة بـ100 جنيه”، مشيرًا إلى طبق السلطة كأبسط وجبات البيت بأنه بات مكلفًا: “طبق السلطة دلوقتي يعمل 50 جنيه بالعافية”.
أما أم سمير فتقول إن الخمسين جنيهًا لم تعد تكفي شيئًا، “أجيب ربع فلفل.. شوية قوطة.. بتنجان.. عيش وطعمية وجبنة.. وبس”.
بينما لم يملك أبو وحيد نفسه من الضحك، “دا كيلو القوطة لوحده يطيّر الـ50 جنيه”، يقول أبو وحيد، ويعدّد الأسعار: “أكلة لعيلة دلوقت تكلف 300 و400 جنيه.. كيلو البامية بـ100.. واللحمة بـ420، طب والعيلة هتاكل إيه؟”.

يسأل “مصراوي” السيدة لطيفة عن حِسبة الخمسين جنيهًا، فلم تفكر بينما تقول: “تمشّي نفسك بطماطم وبطاطس.. لكن من غير لحمة ولا فراخ”، مشيرة إلى بعد اجتماعي ضائع وسط الحياة الاقتصادية الصاخبة: “العيّل بيكون نِفسه في حاجة وإيد الواحد بتبقى قاصرة.”
وتضيف أم سمير أن الخمسين جنيهًا “كانت زمان تجيب فرخة وخضار ورز وشعرية”، وتضيف: “اليوم حتى الـ200 جنيه ما تكفّي يادوب نص كيلو قوطة وشوية فلفل وليمون.”
أما محمد فضحك على ذكر الخمسين جنيهًا، “الـ50 جنيه دي ما تعملش أكلة لفرد واحد، يمكن شوية رز، دا أقل قزازة زيت بـ55 و60 جنيه، حتى أجنحة الفراخ بقت بـ60”.

واقع بلا لحم

“فيه حاجات كنتِ بتجيبيها زمان ودلوقتي بطّلتي؟”، سؤال وجهه “مصراوي” لـ أم سمير، أجابت فورًا: “اللحمة.. مش هكدب عليك، يمكن آكل لحمة مرة في الشهر، ولو جبت بانيه أجيب نص كيلو بالعافية”.

شاهد أيضاً
الركود يضرب أسواق الأضاحي بآخر أيامها والأسعار تتراجع

الركود يضرب أسواق الأضاحي بآخر أيامها والأسعار تتراجع

“مصراوي” سأل أبو وحيد عن الحاجيات التي أصبح استغنى الزبائن عنها مؤخرًا، رد بلا مواربة: “اللحمة طبعًا، والفراخ كمان، كيلو البانيه بـ220 و230 جنيه.. مين يقدر؟”.
يلخص أبو وحيد المشهد كله: “الغلابة بقوا يفكروا ياكلوا ولا يوفّروا تمن الأكل”، ويضيف: “فيه ناس بتشتغل اليوم كله بـ300 و400 جنيه.. تعمل بيهم إيه؟”، مشيرًا إلى الموظفين العموميين وبالقطاع الخاص الذين يتقاضون رواتب وصفها بـ”هزيلة”.

بينما يتوقف عيد عند نقطة يراها أكثر قسوة، وهي أن أصناف أكل الفقراء لم تعد رخيصة، “البتنجان الرومي بقى أكل أغنيا”، ويشرح ذلك بإن إعداد وجبة بسيطة من الباذنجان تحتاج زيتًا وخبزًا ومكونات أخرى، لتتحول الوجبة الشعبية إلى عبء إضافي على الأسرة، “كيلو البتنجان بـ30 جنيه”، يضيف عيد.
ويشير عيد إلى ازدياد عدد المحتاجين والمتسولين بشكل لافت، ويحكى: “واحدة جات تحلفلي بالقرآن إن بنتها نفسها تاكل ورق عنب”، يقول إنه يعرف أنها لن تدفع الثمن، لكنه لم يستطع أن يرفض طلب أم تشتهي ابنتها طعامًا”.

أين الفاكهة على موائد المصريين؟

وصف عيد الفاكهة بـ”أحلام”، ثم يضيف: “الناس تبص للفاكهة نفسها فيها.. بس هتجيب منين؟”.
يعدد عيد الأسعار التي جعلت من الفاكهة رفاهية صعبة: “الموز الكيلو بـ40 جنيه، والمشمش بـ100 جنيه، والخوخ بـ50 جنيه، والبطيخة بـ150 جنيه”، ويضيف: “إحنا مش عارفين ناكل عيش.. هناكل فاكهة؟”.

أما الفاكهة لدى أم سمير فبدت كأنها رفاهية خرجت من حسابات البيت تمامًا، تقول مبتسمة: “البطيخة بـ70 و100 جنيه.. أجيبها إزاي؟”.

قد يهمك
أسعار الخضروات في سوق العبور والمحافظات اليوم مع توقعات بزيادة المعروض

أسعار الخضروات في سوق العبور والمحافظات اليوم مع توقعات بزيادة المعروض

الدجاج.. خسارة بعد أخرى؟

تامر، صاحب محل الفراخ، كان واقفًا أمام بضاعته بينما ينزع العظم عن صدور الدجاج، لم ينفِ “الفرارجي” تأثّر تجارتهم بالترويج الأخير لنظام الطيبات، “بصراحة خسرنا” يقول لـ”مصراوي”.
“الطيبات” نظام غذائي روّج له طبيب التخدير والعناية المركزة ضياء الدين العوضي، يقسّم الأطعمة إلى “طيبات” و”خبيثات”، ويدّعي قدرته على علاج الأمراض المزمنة والمستعصية من خلال التحكم في نوعية الأكل ومنه منع أكل الدواجن والبيض، وحاز النظام الغذائي شهرة كبيرة إثر وفاة العوضي بالإمارات مؤخرًا في ظروف غامضة.
بينما تقول هبة مديرة محل بيض بشارع الناصرية إن اتباع الزبائن نظام الطيبات وتأثرهم به أضعف مبيعات البيض بشكل لافت، وتضيف لـ”مصراوي”: “ودا أدى لانخفاض الطلب فعلًا ونزول السعر”.
يشير تامر إلى الفراخ المعلقة: “نزلت شوية.. البانيه بقى بـ220 بعد ما كان بـ250 والأوراك بـ75 والصدور بـ85”.

“الناس بطبعها بتخاف وبتصدق أي خبر بسرعة”، كان ذلك تفسير تامر لما حدث من انهيار في تجارة الفراخ ناهز 40% حسب تقديره، متعجبًا: “إحنا من زمان بناكل فراخ.. إحنا وأهلينا وأجدادنا، ومافيش حاجة كانت بتحصل.”
يضيف أن “الفرارجية” يعانون ركودًا من قبل ذيوع صيت نظام الطيبات”، “بس زاد أكتر” يقول تاجر الفراخ، ويضيف: “البيع قل فعلًا.. زمان كنت بجيب 5 و6 طرود فراخ، دلوقت بجيب طردين بالعافية، وممكن ما يتباعوش.”

لماذا انهارت موائد المصريين؟

أجرى “مصراوي” استطلاعًا لآراء 34 من تجار السوق ومرتاديه، أظهرت نتائجه أن الغلاء دفع غالبية المستطلعة آراؤهم إلى تقليص كميات الطعام والاستغناء عن اللحوم والفاكهة باعتبارهما أكثر السلع خروجًا من حسابات الأسر، فيما أشار معظم المشاركين أن الخمسين جنيهًا لم تعد تكفي لإعداد وجبة متكاملة، مع اتجاه متزايد للشراء بالقطعة أو وفق الاحتياجات اليومية فقط.

عن سبب الغلاء، يقول أبو وحيد: “البنزين غلي، الغاز غلي، كل حاجة غليت.. فالبياع هيعمل إيه؟ لازم يغلي هو كمان عشان يعرف يكمّل.”
ويرى عيد أن الأزمة ليست مسئولية طرف واحد، لأن التكلفة تضغط على الجميع، “الفلاح غصب عنه، والتاجر غصب عنه، والمشتري غصب عنه”، يقول عيد.
ويتفق عيد مع أبو وحيد في أسباب ارتفاع الأسعار، “النقل زاد، والغاز زاد، والعمالة زادت.. العامل يوميته بقت 400 جنيه”، لكن أكثر ما يلاحظه تبدّل أحوال الناس.
“الأنبوبة غليت، والإيجار غلي، والمية والنور والشنط والنقل.. حتى التاجر اللي بيجيبلي الفراخ زوّد النقل.. هوّ بيغلّي عليّ عشان مصاريفه غليت، وأنا غصب عني بغلي على الزبون” يسرد تامر أسبابه في غلاء بضاعته.
وعن حال التجار يقول أبو وحيد: “التجارة مبقتش تجارة.. كله بيبيع وخلاص عشان يعرف يعيش.”
رجعت أم سمير إلى منزلها بعدما جلبت حاجيات الطعام لأبنائها الخمسة، بينما تحمل همًا لم يفارقها مذ خرجت صباح اليوم.. كيف سيكون حال مائدتها مع عيد “اللحمة” بعد أيام؟

كاتب المقال

يعمل أحمد ربيع ضمن فريق تحرير موقع مصر بوست، ويهتم بتقديم الأخبار والتقارير الموثوقة حول أبرز القضايا المحلية والدولية. يركز في مقالاته على نقل الحدث بدقة وحياد، ويحرص على متابعة التطورات أولًا بأول ليواكب تطلعات القارئ المصري والعربي. تابع مقالات أحمد لتبقى على اطلاع دائم بكل جديد.