اللغة أمّ الاستيعاب.. جدل التعليم في الجامعات السعودية
النقاش حول لغة التعليم ليس نقاشًا لغويًا؛ بل نقاش حول هوية المعرفة، وحول الطريقة التي نريد لجامعاتنا أن تفكر بها.. فاللغة الأم ليست عائقًا أمام العالمية؛ بل هي شرط من شروطها، لأنها تمنح الطالب القدرة على الاستيعاب العميق، وتجعله قادرًا على بناء علاقة حقيقية مع تخصصه، علاقة لا تقوم على الترجمة؛ بل على الفهم..تبدو العلاقة بين اللغة والمعرفة واحدة من تلك الأسئلة التي ترافق الإنسان منذ بدأ يحاول فهم العالم؛ فاللغة ليست مجرد أصوات نرتبها لنقول ما نريد، بل هي الإطار الذي تتشكل داخله الفكرة، والعدسة التي نرى من خلالها الأشياء، والوسيط الذي يحدد عمق استيعابنا لما نتعلمه. وكلما ابتعدت المعرفة عن لغتها الأم، ابتعد معها المتعلم عن القدرة على التفكير فيها من الداخل، لأن اللغة ليست وعاءً محايدًا، بل جزء من بنية الوعي نفسه. ومن هنا يصبح النقاش حول لغة التعليم، خصوصًا في الفنون والعمارة، نقاشًا حول طبيعة الفهم قبل أن يكون نقاشًا حول الكلمات، وحول الطريقة التي نريد لطلابنا أن يبنوا بها علاقتهم بالمعرفة في سياقهم الثقافي والإنساني.من يتأمل مسار التعليم الجامعي في السعودية خلال العقود الماضية يدرك أن اللغة لم تكن يومًا مجرد وسيلة للتعبير، بل كانت ومازالت جزءًا من بنية التفكير نفسها، وعنصرًا مؤثرًا في الطريقة التي نفهم بها المعرفة ونستوعبها وننتجها. ولعلّ الجدل الذي عاد إلى الواجهة مؤخرًا حول لغة تدريس الفنون في جامعة الرياض ليس سوى حلقة جديدة في نقاش قديم، نقاش يتجاوز حدود اللغة إلى سؤال أعمق: كيف نريد لجامعاتنا أن تفكر؟ وبأي أدوات نريد لطلابنا أن يبنوا علاقتهم بالمعرفة؟هذا السؤال يعيدني إلى بدايات عملي الأكاديمي قبل أكثر من ثلاثين عامًا، حين كنت أقاوم، ربما بعناد غير مبرر في نظر البعض، فكرة أن النشر العلمي في العمارة يجب أن يكون بالإنجليزية كي يُعتدّ به. كنت أرى أن اللغة ليست زينة للبحث، بل هي جزء من تكوينه، وأن الباحث الذي لا يكتب بلغته يفقد جزءًا من صوته، وربما جزءًا من قدرته على التفكير النقدي.في تلك السنوات، لم تكن المشكلة في الأنظمة وحدها، بل في النظرة السائدة داخل المجتمع الأكاديمي. كان الزملاء ينظرون لمن يكتب أو يتحدث بالعربية في المؤتمرات نظرة ملتبسة، وكأن اللغة الأم لا تليق بالمعرفة “الرفيعة”. أذكر أنني ألقيت ورقة بالعربية في أحد المؤتمرات، فاقترب مني زميل وقال لي إن ما فعلته “استعراض لا فائدة منه”، وإن الإنجليزية كانت ستوصل الأفكار بشكل أوضح. لم يكن يدرك أن وضوح الفكرة لا تمنحه اللغة الأجنبية، بل يمنحه البناء المعرفي ذاته، وأن اللغة، أي لغة، لا تستطيع أن تعوّض غياب الفكرة.هذا الموقف، الذي بدا بسيطًا في حينه، كان كافيًا ليكشف حجم الإشكال البنيوي: نحن لا نناقش اللغة، بل نناقش تصورًا كاملاً عن المعرفة، تصورًا يرى أن الطريق إلى العالمية يمر عبر الإنجليزية، حتى لو كان ذلك على حساب الاستيعاب، وعلى حساب العلاقة الطبيعية بين الطالب وتخصصه.واليوم، حين يعود الجدل حول تدريس الفنون في جامعة الرياض باللغة الإنجليزية، أجد أن النقاش لم يتغير كثيرًا. مازلت أؤمن أن تعليم الفنون والعمارة تحديدًا ليس تعليمًا لغويًا، بل هو تعليم معرفة متجذرة في الثقافة. والفنون، بطبيعتها، ليست تخصصات محايدة؛ هي امتداد للبيئة، وللرموز، وللذائقة، وللذاكرة الجمعية. فكيف نطلب من الطالب أن يفهم هذه الثقافة بلغة ليست جزءًا من نسيجها؟ وكيف نُدرّس الفن المحلي بلغة نخبوية بينما الفن نفسه ابن الناس ويجب أن يعبر عنه بلغتهم؟إن تدريس الفنون بلغة أجنبية قد يمنح الجامعة مظهرًا “عالميًا”، لكنه لا يضمن أن الطالب سيصبح أكثر فهمًا أو أكثر قدرة على الإبداع. فالعلاقة بين اللغة والمعرفة ليست علاقة ترجمة، بل علاقة تكوين. والطالب الذي يتلقى المعرفة بلغته الأم يبني علاقة أعمق مع تخصصه، ويصبح قادرًا على التفكير فيه من الداخل، لا من خلال وسيط لغوي يفرض عليه طريقة معينة في الفهم.ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الجدل سيُحسم بسهولة، لأن البنية العقلية للجامعات السعودية مازالت ترى أن الإنجليزية تمنحها قوة أكاديمية، وتقربها من التصنيفات العالمية. لكن التجارب العالمية تقول غير ذلك: فمعظم الجامعات المرموقة خارج الدول الناطقة بالإنجليزية، في ألمانيا وفرنسا واليابان وكوريا، تُدرّس بلغاتها الأم، ولم يمنعها ذلك من أن تكون في مقدمة الجامعات عالميًا. العالمية، في جوهرها، ليست لغة، بل قدرة على إنتاج معرفة أصيلة.إن النقاش حول لغة التعليم ليس نقاشًا لغويًا، بل هو نقاش حول هوية المعرفة، وحول الطريقة التي نريد لجامعاتنا أن تفكر بها.. فاللغة الأم ليست عائقًا أمام العالمية، بل هي شرط من شروطها، لأنها تمنح الطالب القدرة على الاستيعاب العميق، وتجعله قادرًا على بناء علاقة حقيقية مع تخصصه، علاقة لا تقوم على الترجمة، بل على الفهم.ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل نُدرّس بالعربية أم بالإنجليزية؟ بل: أي معرفة نريد أن نبني؟ وهل نريد جامعات تتحدث بلغة بيئتها وتفكر من داخلها، أم جامعات تتبنى لغة ليست لغتها، وتُدرّس معرفة لا تنتمي إلى سياقها؟ فاللغة في نهاية المطاف ليست مجرد وسيلة، بل هي أمّ الاستيعاب، وأول أبواب الإبداع، وأعمق أدوات بناء الهوية المعرفية.نقلاً عن “الرياض”
تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

